نزيف دور العرض يسرق خروجة السينما

 

 

مع اقتراب لأعياد ..

نزيف دور العرض السينمائى يسرق “خروجة” السينما

 

 

فى كتابها “نزهة السينما .. القصور وسينما الحدائق في مصر من 1930 إلى 1980″، تتحدث الكاتبة الفرنسية مارى كلود بينار، عن تلك النزهة التى كانت من أجمل نزهات العائلات المصرية، الكتاب الممتمع الذى يتتبع تاريخ السينما وتحتشد فيه شهادات تحمل الكثير من الحنين والمشاعر الجميلة تجاه فترة زمنية كانت الجاليات الأجنبية تعيش فيها جنبا إلى جنب مع المصريين، وخاصة فى القاهرة والأسكندرية، ويدلى عدد من الأسماء الكبيرة بشهاداتهم  التى تصل إلى ثلاثة عشرة صفحة ومنهم هنري بركات، صلاح ابو سيف، يوسف شاهين، محمد خان، عاطف الطيب، و النجم الراحل عمر الشريف وغيرهم من الأسماء التى لمعت منذ عام 1930 وحتى 1990

الكتاب الذى احتفظت كاتبته بشهادات لهذا الجيل الذى رحل أغلبه تحدث عن زمن اختفت ملامحه باختفاء عشرات دور العرض السينمائى، تلك الدور الفارهة التى حملت الطابع الكلاسيكى وتضمنت بعض المقاهى التاريخية كمقهى إكسليسيور وغيره، أو تلك التى قدمت عروضها فى الحدائق المفتوحة، وحملت الطابع الصيفى، والتى انتشرت فى الستينات وتوالى اختفاؤها حتى كادت تنقرض، وعلى الرغم من جمال الكتاب وحميمية شهاداته إلا أنه يقودنا ببساطة وعن دون قصد من كاتبته رؤية هذا الواقع الذى اختفت فيه ملامح زمن ربما كان أكثر تنويرا ورحابة بحيث يستوعب كل فكر مغاير حتى أن السينما الأمريكية التى قدمت لنا أفلامها الكلاسيكية والبوليسية كانت تجد جمهورا كبيرا من الطبقىة المتوسطة وفوق المتوسطة، وربما لا يمكن أن تتحمل الفضائيات وحدها المسؤولية فى تغير منطق تعامل كثير من الأسر الآن مع “السينما”، التى أغنت عنها كثيرا الآن تلك الوسائل التى قد تنقل الأفلام الحديثة بأسلوب السرقات إلى داخل البيوت، فتغنى عن تذكرة قد لا تحتملها ميزانيات كثيرة، فلم  تكن السينما فى حياة المصريين مجرد مشاهدة لفيلم ، بل كانت “خروجة” و”تغيير جو” و”ساندوتش”، و”لمة”، أشياء تحمل معانى أخرى إضافة لمتعة المشاهدة عبر تلك الشاشة الساحرة العملاقة. وهو الأمر الذى أشارت إلى تراجعه آخر إحصائية رسمية صادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء “2015”، والتى أكدت انخفاض عدد دور السينما فى ذلك العام إلى 221 قاعـة مقابــل 239 قاعـة في العام 2014، بنسبة انخفاض قدرها 7.5٪، بينما اشارت إحصائيات سابقة إلى  انخفاض عـدد القـاعـات بـدور العرض بنسبة 4.6٪، لتسجل 269 قاعـة عام 2013، مقابل 282 قاعـة عام 2012، وهو ما يؤكد أننا أمام خط بيانى تنازلى لأعداد دور العرض السينمائية ويكفى أن نشير هنا إلى أن عدد دور العرض السينمائية كان  354 دارًا عام 1954 وهو عدد ضخم مقارنة بعدد السكان آنذاك بينما الآن يمكن لما يقرب من 95 مليون مصرى أن يتزاحموا فى الأعياد والمناسبات التى تخرجهم من بيوتهم للاستمتاع “بخروجة” السينما على 56274 مقعداً بقاعات دور العرض فى مصر كلها، يتركز معظمها فى القاهرة والأسكندرية التى تعانى معظم دور العرض بها من رداءة الصوت سواء فى الأماكن المصيفية كالعجمى أو فى سينمات وسط البلد، بينما  تبدو المناطق الشعبية والمحافظات الأخرى أكثر تضررا حيث لم يتوقف إغلاق دور العرض السينمائية على مدار العام الماضى وحتى منتصف العام الحالى.

آخر الدور التى تم إغلاقها سينما الكورسال “على بابا” بمنطقة بولاق “للمنفعة العامة حيث تمر بها المرحلة الثالثة من مترو الأنفاق” وذلك بعد ثمانين عاما على إنشائها، وسينما رينيسانس بأسيوط وهى أثر أنشئت ما بين ١٨٩٩ و ١٩٠٠  بيعت بما يقرب من 70 مليون جنيها لتهدم ويحل محلها مجموعة من العمارات، على الرغم من أنها كانت السينما الوحيدة الباقية فى المحافظة بعد انتصار ثقافة البيزنس على ثقافة الصورة.

وعلى الرغم من تفسيرات بعض النقاد بأن انحسار دور العرض قد يرجع إلى انخفاض أعداد الأفلام المنتجة التى تعرض فى تلك الدور، إلا أن تلك النظرية قد تبدو غير مقبولة خاصة  مع ما يتردد دائما من المنتجين عن أزمة دور العرض، كما أن دور عرض المناطق الشعبية التى تختفى يوما بعد يوم والتى كانت تقدم فيلمين أو أكثر فى “بروجرام” واحد، وهى فى الغالب افلام كاراتيه أو  هندية  أو افلام الإثارة بأنواعها، ومن ذلك معظم سينمات شارع شبرا والعباسية ومختلف المحافظات والتى توالى اغلاقها، بينما كان من الممكن تطويرها لتتحول إلى دور عرض قادرة على استيعاب أفلام العرض الأول بأسعار أقل من الدور الفاخرة.

الإعلامية  راوية راشد  تحدثنا عن تلك “الفسحة” متذكرة كم السعادة التى كانت تشعر بها عندما تذهب مع والدتها إلى السينما لمشاهدة فيلم عربى أو اجنبى مرة كل شهر، تتذكر جدتها وهى تعد السندويتشات، أو وهم يكملون الفسحة بأكل السندويتشات فى الخارج،تتذكر سينما الشرق فى السيدة زينب وتلك الأيام التى كانت الطبقة المتوسطة والأقل من المتوسطة تتعامل فيها مع السينما على أنها خروجتها المفضلة فيجد الشاب متعة فى ارتداء قميصه الوحيد، والذهاب لمشاهدة أبطاله المحبوبين أو الاستماع إلى عبد الوهاب وأم كلثوم، وتؤكد “راشد” ان المفاهيم تغيرت، وأن انخفاض أعداد دور العرض أمر طبيعى فى ظل المتغيرات الجديدة، مشيرة إلى أن السينما سلعة كأى سلعة يجب أن نعرف أنها تأثرت بعوامل كثيرة منها الاقتصادى والاجتماعى والفكرى، وأن نوعية مستهلكها تغيرت، وأنها تتراجع فى العالم كله، وليست وحدها التى تتراجع ولكن التليفزيون أيضا، مؤكدة أنه قبل خروجها إلى المعاش حضرت مؤتمرا عام 2009 بباريس، ناقش انخفاض نسب المشاهدة فى التليفزيون الفرنسى ووفقا للإحصاءات، انخفضت نسب المشاهدة وقتها بنسبة 14%، وانهم فى ذلك الوقت اعتبروا هذا الانخفاض أمرا جيدا، لأنه يشير إلى تغير نوعية المتلقى الذى صار يعتمد على نفسه فى الحصول على المعلومة عبر الوسائل التكنولوجية الحديثة التى يتزايد تأثيرها بمعدلات سريعة وتفرز اجيالا مختلفة تماما أصبح لديها “الميديا” الخاصة التى لا توجه من أى تليفزيون، وتقول “راشد”: التليفزيون أثر بدوره على السينما، فلم تكن فى زمن جدتى كل تلك القنوات أو برامج الطهى والأفلام، أما من وجهة النظر الاقتصادية، فلم تكن  ثقافة المولات والأبراج قد تفشت لتجعل أى صاحب سينما يفضل بيعها بملايين الجنيهات بدلا من ان ينتظر جمع 10 أو 15 جنيها  ثمن التذكرة .

وتؤكد راشد أن جمهور سينما العيد، أو المناسبات، ليس مقياسا لجمهور السينما الحقيقى، فالعيد حالة خاصة جدا، ومعظم جمهور السينمات من الشباب الذى يبحث عن معانى  وأهداف أخرى لخروجة السينما.

ويؤكد الناقد السينمائى كمال رمزى أن “خروجة السينما” كانت يوما مشهودا بالنسبة إلى الأسر المصرية وأن منطقة “شبرا” وحدها كان فيها عشرات السينمات ومنها فريال، شبرا بالاس، الجندول، وبلازا، وكان فى العباسية وحدها 7 او 8 سينمات، وهو أمر ينسحب على مناطق كثيرة فى كل مصر، ورأى “رمزى” أن من أهم أسباب اختفاء تلك السينمات هو التطور الذى جعل شاشة التليفزيون تكبر بينما شاشات السينما تصغر وفقا لقاعات العرض الجديدة، مؤكدا ان خروجة المصريين إما سينما أو أكل فى المطاعم، وهو امر صعب جدا على الطبقات الفقيرة التى لا تستطيع الأكل خارج البيت الذى يمكن ان يلتهم ميزانيتها، مؤكدا ان تآكل اعداد السينمات جعلنا نخسر الكثير لأن السينما مظهر حضارى يمكن أن يصحح الكثير من المفاهيم خاصة وان معظم السينمات التى أغلقت فى الأماكن الشعبية والمحافظات التى بحاجة فعلية إلى التنوير، وهو ما كان عاملا من العوامل التى ساعدت على عدم وجود مقاومة للأفكار المتطرفة، مشيرا إلى أن الفكرة تحاربدة الفكر بالفكرة، واضاف “رمزى” أن أكبر نتائج غلق السينمات هو ان الشعب فقد إحساس “البهجة”

وبرصد سريع يمكن القول بأن معظم محافظات مصر وخاصة مناطق الصعيد أصبحت بدون دور عرض سينمائى، ففى محافظة البحيرة، تحولت 4 دور عرض بمدينتى دمنهور وكفر الدوار إلى مشروعات استثمارية

إعادة إحياء سينما «النصر الصيفى» بمدينة دمنهور، التى كانت من أهم المعالم الترفيهية الفنية بالمدينة، وخسرت مدينة كفر الدوار 3 دور عرض،

وكانت محافظة بنى سويف تمتلك فى السابق 4 سينمات تحولت ثلاثة منها إلى مشروعات تجارية وتحولت الرابعة إلى مقلب قمامة،

وكما حدث مع المؤسسة العمالية بشبرا الخيمة التى كانت تخدم المنطقة الصناعية هناك وتحمل لهم السينما الصيفى الترفيه فترة الستينات واختفت تماما تلك السينما حتى أن من يعمل بالمؤسسة العمالية منذ عشرين عاما لا يعرف أو سمع فقط من السابقين ان سينما صيفية كانت هنا، فإن الأمر ذاته حدث مع مركز ناصر ببنى سويف حيث كان يمتلك سينما ودور عرض فى نهاية الستينات، وكانت ملجأ لشباب المركز والقرى المجاورة فى ذلك الوقت .

ولا تمتلك محافظة الأقصر دار عرض واحدة!

كما أغلقت دور العرض بمحافظة سوهاج الواحدة تلو الأخرى، وفى محافظة قنا

كانت السينما الوحيدة الباقية تعمل هى «سينما ومسرح قنا»، بجوار ديوان عام المحافظة، والتى أدى سقوط سقفها المصنوع من العروق الخشبية عام 2015 إلى توقفها ، ولم يهتم بها أى مسئول حتى اللحظة رغم المناشدات بتطويرها.

وعلى الرغم من أن المصايف تعتبر فرصة ذهبية لمتعة مشاهدة السينما إلا أن مدينة كمطروح  أصبحت معظم دور السينما بها مهجورة ، وحرمت معظم مراكز ومدن المحافظة من السينما مثل«الضبعة والنجيلة وسيدى برانى وسيوة».

وفى محافظة دمياط سينما واحدة فى مول تجارى تعمل طوال العام ولا تشهد إقبالاً كبيراً، وفى فصل الصيف تعمل 3 سينمات بمنطقة رأس البر المصيفية السياحية

وأصبحت محافظة المنوفية بلا دار واحدة  “تعمل” أو مسرح..

إن التزاحم على السينمات فى العيد ليس مقياسا حقيقيا للإقبال على السينما طوال العام كما اشارت الإعلامية راوية راشد، لكن خروجة السينما مازالت”بهجة” عند الكثيرين، ومازالت تلك الصناعة قادرة على تشكيل الرؤى ومخاطبة العقول والأرواح وخلق الحالة والمساهمة فى تشكيل الوعى، بدلا من تهميشه أو تغييبه، تلك الصناعة التى تطل علينا من نوافذ دور العرض التى يتوالى غلقها فى زمن من المحزن أن نقبل فيه بغلق باب من ابواب التنوير

Related Posts

Create Account



Log In Your Account



%d مدونون معجبون بهذه: