فوزية مهران ..ترانيم التوحيد ولغة القرآن ..عندما تكون الكتابة صلاة

فوزية مهران ..ترانيم التوحيد ولغة القرآن ..عندما تكون الكتابة صلاة

فوزية مهران ..ترانيم التوحيد ولغة القرآن ..عندما تكون الكتابة صلاة

نفيسة عبد الفتاح

تحيلنا فوزية مهران إلى قصص أنبياء الله موسى ويونس،تطوف بنا فى أروقة الكنائس والمعابد والأديرة والأضرحة البعيدة،”على الشاطىء القديم” تترك اعترافا أمام الراهب، تكتب مسرحيتها الجميلة عن محاكمة الصهاينة للمطران كابوتشى ” الحق المصلوب” تنطق بكلماته فى محبة الرب الذى يدبر الأمر لنا، تنهل دائما من نور كلمات القرآن، تقتبس نصوصا ومعان، الصلاة فعل الأتقياء فى لحظات التنوير،صلاة تزيح الصدأ عن الأرواح التى بدأ يعلوها، أو صلاة صامتة تكشف عن النور الداخلى،تغدق على قارئها بمخزونها الممتد من ترانيم التوحيد القادمة من أزمنة فرعونية، صوفية الروح، موسيقية الجملة”تأتيها الكلمات شرعا”تنتشر عبر إبداعاتها،فنجد تلك المفردات حاضرة فيها، ففى مجموعتها فنار الأخوين، تحدث الراوية الزوج والحبيب البحار الذى لم يتسع له العمر ليقوم برحلة نيلية معها فتقول: كنت تقول بتواضع جم .. ونبرة خشوع : ومع ذلك أشعر برهبة امام النيل.”المصريون القدماء كانوا حكماء وشعراء عندما قدسوه..جعلوه رمز معبودهم الواحد..الوهاب.. رب الخير والعطاء” ــ أقاموا عرش الله على الماء حقا،”زورق الحب”، وتقول فى قصة أخرى: وبضاعتنا ردت إلينا، هذا كيل يسير. تعود إلى هدية مدينتى ووهج الذكريات وحديث البحر وإيقاع التدريب والمواجهة”موسيقى قاع كوب”، وفى قصة “باريس” تحت عنوان قوس النصر تقول:(وبدأت أقتلع من نفسى تلك البذرة السوداء وأتيح نفسى للنور، أقلع عن خطيئة “أنا خير منه”) وفى مجموعتها ” أغنية للبحر” تقول: (الأمواج تطوقنى.. ترقص رقصة سوداء،كانت الأرض أحنى على،ظل الحوت يتبعنا فاغرا فاه،ولا أدرى من قذف بى من سطح السفينة، نبذتنى سفينة الخطاة،ألقونى فى اليم،ظلمات فوق ظلمات” ظلمة الليل، ظلمة البحر وظلمة بطن الحوت”كان الله حاضرا وعلى أن أقدم كشف حساب)”على الشاطىء القديم” وفى قصتها”بحر3″من نفس المجموعة تقول” يحفظ المهمة والسفينة، يترك أثرا طيبا وخلقا غريبا نادرا فى كل الموانى البعيدة.. ـــ فما معنى أن يلوى البعض ألسنتهم بالقول ويريدون لسنة الحياة تبديلا ويبغونها عوجا؟ ـــ “. وفى “حاجز أمواج” تناجى الأم خالدة ولدها بعد استشهاده” السماء ازينت لك يا حبيبى” وتناجى الخالق:”أكلمه هو..واسع العلم والمغفرة..خالقنى وفاهمنى.. أشكى له منه” وتتحدث الكاتبة فى نفس الموقف عن حال الأم خالدة”شعرت بها فى قمة التدين..الخشوع والمناجاة..ارتفعت إلى منزلة أعلى.. تسبح فى بحار الرحمة..”تسلم وجهها إلى الله”..تذوب فى حب أسمى..تبلغ “أسباب السماء”. وعن لغة القرآن فى حكى فوزية مهران كتبت الدكتورة ماجدة منصور حسب النبى فى بحث بعنوان ” فنار الأخوين.. منارة الحكى الجميل” فتقول: تسمو اللغة وتستمد من كتاب الله نورا فتشع بصدى آياته وتركيباته المألوفة الحبيبة، فالسفينة تقترب من الفنار “تطلبه حثيثا “،والزوج البحار فى “كتاب البحر” يقول لزوجته أرى انك لن تستطيعى معى صبرا فتجيبه ـ”ستجدنى إن شاء الله من الصابرين “، وتتوالى التعبيرات والتشبيهات القرآنية، فتصف فوزية مهران الشجرة بالشجرة المباركة التى لا يبلغ منها الكبر وتسمى الأجيال “بنين وحفدة”، وفى قصة” الشجرة” تتفاعل الشخصية/ الراوية مع الشجرة وتلتف حولها مع الأصدقاء “تأخذ ما تأتينا بقوة”. وتضيف د. ماجدة: وللقرآن حضور قوى فى مجموعة فنار الأخوين ليس فقط ككنز للمفردات والتركيبات.. وإنما كمصدر وحى لما ينبغى آن تكون عليه النصوص على الإطلاق : هدى للناس، فالقارىء للمجموعة يستطيع أن يستشف منذ بدايتها أن الهدف من الحكى عند الكاتبة يختلف عنه عند كثيرين من كتاب وكاتبات القصة ممن يهدفون لفضح الواقع، وإبراز قبحه وكآبته بينما يلمحون إلى استحالة تغييره،أو ربما يرون الحكى هدفا فى حد ذاته،فالكلمة عند فوزية مهران، نور،جمال وكشف وصلاة كما تبوح بذلك فى كلمة الغلاف.وتقول الدكتورة كرمة سامى أستاذ الأدب الانجليزى فى دراستها المعنونة بــ “إبداع النفس المطمئنة”: هذه الكاتبة لها روح بحار مثل المتصوفة الأتقياء والرهبان الشجعان.. وحس راهبة.تكتب ومضات صوفية تنبع من صميم فؤادها، تصل مملكة الرحمن داخل قلبها بالكون وبالجنس البشرى”. إنها لغة فوزية مهران الخاصة التى تميزها دون شك، يفيض بها مكنون نفس ترتكز على مخزون دينى وروحى عميق تجلى فى مؤلفات تنهل من الهدى القرآنى مباشرة تقول عنها كرمة سامى فى نفس الدراسة:” هناك كتابات تصيب القارئ بأزمة قلبية وكتابات أخرى تثرى الروح وتطهرها، النوع الثانى هو الكتابات التى تنهى عن ضعف القلوب وترجو رهافتها، وهى التى استلهمتها فوزية مهران من حرصها على “المعية الفائقة” ممدودة بأنوار القرآن الكريم فى”آية وبشرى” 1987 و “مواقف قرآنية معاصرة” فى 1990و”ورب اجعل لى آية”1992.
فى الكتب الثلاث تفتح فوزية مهران أمام قارئها ومضات نور لاحت وهى تتأمل الآيات، إشراقات وإضاءات، تدون ما وعت من فكر واكتشاف وحكمة، تمضى فيما أراده الله لنا ” علم الإنسان مالم يعلم” بعد أن كانت “إقرأ” أول التنزيل.
نجدها فى “رب اجعل لى آية” تلفت انتباهنا الى مغزى “النون”حرف البدء فى سورة القلم” نون والقلم وما يسطرون”، وهو نفس حرف النهاية فى السورة السابقة مباشرة” الملك”تلفت إلى سحر الأسماء والأرقام تقف طويلا أمام الرقم “3” وتنطلق من معنى “إذ يغشيكم النعاس أمنة” إلى الأحلام التى يهبها لنا النوم الآمن، إلى حلم الملك فى قصة يوسف عليه السلام.
وفى مواقف قرآنية معاصرة تطالب فوزية مهران بأن نتدارس القرآن، نستلهم المواقف، ونحذر كيد السفهاء حتى نعود أمة وسطا كما أراد الله لنا ان نكون، أن ننبذ الخلاف على الفروع أن نتمسك بقرآننا، ونتعلم من قصص أقوام سبقونا كانوا أشد منا قوة وأثارا ولكن أى منقلب ينقلبون.
وفى آية وبشرى توضح الكاتبه أنه كثيرا ما تأتينا الآية بالبشرى، وسط لحظات الألم، المحن، قسوة الشعور بالفقد، والاستسلام لليأس، تكون الآية شعاع ضوء،بردا وسلاما،أنسا وعلما،فتقول “نقرأ وفى كل مرة نكتشف معنى لم نلتفت إليه من قبل ويبرق خاطر لم نلحظه ويبهرنا بيان غاب عنا إعجازه ويتبدى الإيقاع موحيا ولا ينفذ هذا الإيحاء أبدا”

اترك رد

Create Account



Log In Your Account



%d مدونون معجبون بهذه: