فوزية مهران ..إعلان الحب ولغة البرق ..رجل رصين وامرأة تقكر

فوزية مهران ..إعلان الحب ولغة البرق ..رجل رصين وامرأة تقكر

فوزية مهران ..إعلان الحب ولغة البرق ..رجل رصين وامرأة تقكر

نفيسة عبد الفتاح

سخية هى فى الوصف والتعبير تجيد الغوص بالكلمات حتى تمسك بتلابيب المعنى تنتشله من الأعماق وتقفز به إلى السطح فرحة كصياد لا يمل فرحة الرزق الجديد لكنها رغم هذا السخاء تفاجئنا فى قصص حب أبطالها الصادقة المتكافئة بإعلان مقتضب لذروتها،كلمات مقتصدة مدهشة مثيرة للتأمل فى لحظة فارقة،تغنى عن صفحات من الغزل، تناسب شخوصها تماما، إيماءة ذات مغزى، إمساك بيد،جملة قصيرة مفاجئة، يبدأ الحبيبان الحوار، الحب ينمو دون بوح،تتفتح أعين القراء على كل تلك النقاط المشتركة، يتابعون بشغف، فشخوص فوزية مهران عندما يتكلمون كثيرا يكون هناك خلل فى الشخصية دون شك،”الممثل عادل” فى روايتيها “جياد البحر” و”حاجز أمواج”، بطلات قصص الحب تلك مفكرات،يجدن الحوار والصمت،لديهن الوعى والقدرة، شقاوتهن بذكاء وبراءة طفولية، أبطالها من ذلك النوع الرصين طاغى الحضور شديد الجاذبية،يعرفون الحبيب ربما من الوهلة الأولى، يرصدونه كنجمة ميناء لا يحيد عنها نظر بحار يلتمس المرفأ والسكن.
لحظة التصريح فى قصة الحب بين نور الكاتبة والقبطان زياد فى رواية”جياد البحر” خاطفة حاسمة، ندرك من البداية أن الحب قائم،يتبختر هادئا متمكنا منذ اللحظة الأولى، تدور الحوارات دون تصريح، أحاديث نفس “نور” دالة،حتى يذهبا إلى فنار الأخوين،ويدور الحوار بين نور ومأمور الفنار،يسألها: معذرة ..ولكن أنت خطيبة الربان؟ تتعجب وتسأله من أين جاءته تلك الفكرة، تجد القبطان بينهما بقامته المديدة، يوجه كلامه للمأمور: ماذا تقول أيها العجوز الماكر؟يقف فى مواجهتها ويسألها:هل أجبته؟يندفع المأمور: أنا عرفت..منذ البداية فبرد القبطان: أطلب منها أن توافق إذن.
هكذا تصريح لا لعب فيه ولا هزل، فلحظة الإعلان عن الحب هى نفسها لحظة طلب رباط نهائى.
وهو نفس ما يفعله”معين” مع عايدة فى رواية “حاجز أمواج” يتخذ قرارا أن يبقى معها فى القرية ليعلم الأطفال فى المدرسة التى يعدون لها،يجدا يديهما وقد تعانقتا بعد نوبة الحماس والمرح،يعلن تتويج قصة حب لم تدر خلالها كلمة تصريح واحدة،يقول: بيتا ومدرسة..مرة واحدة.
وربما يحتاج المحب إلى بعض الوقت ليرى الحبيب بجلاء ـــ لكنه نفس النوع الرصين ـــ كما هو الحال مع المهندس الذى يحبس ذاته داخله وينطوى على وحدته فى “حلم البحر” ، تمارس المهندسة فى موقع بناء المدينة شقاوة مثقف يجيد اختيار جمل باعثة على التفكير، يخرج من قوقعته،يصبح أكثر مودة ورقة مع الجميع،تمارس نفس الشقاوة فى مكالمة معه بمكتبه فى القاهرة،عندما يتساءل عمن يحدثه، تراودها نزوة الجنون المفاجئة، الرغبة فى أن تجعله مشدوها..ذاهلا فترد: تعنى إسمى.. من أكون..أنا ــ مدينة. يعود إلى موقع العمل ليلة الإحتفال بإنجاز المدينة، البوح هنا دون كلمة حب واحدة، يذهب إليها فى الحلقة الملتفة،تقول فوزية مهران:إشتد وجيب قلبى..سمعته يقول:مساء الخير..”مدينة”. عرفها..دله القلب..فكان إعلان المعرفة هو نفسه إعلان الحب.
وتدور أحداث قصة “المائدة” من مجموعة فنار الأخوين، أثناء دعوة لحفل مجهول الأسباب، الدعوة من رجل مسئول لأصدقاء الدراسة والعمل وهو نجم الحفل المحاط بعيون النساء، يفصحن عن رغبتهن فى الارتباط به، كلهن صاحبات مصالح إلا هى، تأتى لحظة بوحه خاطفة: ما رأيك كلهن لديهن غرض..وراء كل واحدة هدف إلا أنت. لحظتها تراه جذابا متوهجا ومؤثرا.
جملة أخرى فى قصة حب صامتة فرص خروجها إلى النور تتعادل مع بقائها صامتة،فى”قريب جدا.. بعيد جدا” من مجموعة “أغنية للبحر” يلعب أعز أصدقاء الزوج الراحل مع ابنه لعبة الشطرنج،تسترجع الزوجة الأحداث والذكريات بينما تدور رحى المعركة على الرقعة،يراودها سؤال ملح: هل تتسع رقعة الشطرنج لأكثر من اثنين،ندرك أن الحب قد تسلل إلى القلبين،فى حواره عن اللعبة مع الفتى يقول:انتبه النصر قريب جدا.. وبعيد جدا. قالها وهو يتطلع إليها، تقول الكاتبة: فى لحظة واحدة أدركنا سر الموقف وعمق إحساسنا،تنتهى جولة الشطرنج بالتعادل غالبا..يبقى الوضع على ماهو عليه.. “أحسست به قريبا جدا..بعيدا جدا”.
هى جملة تلغرافية فى لحظة مصارحة للنفس فارقة، إعلان حب. صراع النفس فيه بين الماضى والحاضر قوى وكأن حالة التعادل بين الصراعين هى الحالة الراهنة، لكن أملا فى إمكانية إظهار هذا الحب يومض من بين السطور.
وربما تكون لحظة البوح”بتلك الجملة القصيرة الجامعة” هى نفسها لحظة إسدال الستار على حياة وبدء أخرى كما هو الحال مع الفنان فى “لغة خاصة”، لم يعترف أبدا حالت ظروفه دون ذلك، تزوج من أخرى بدافع الشهامة، تعب قلبه وسقط، كان ينادى باسمها، لينطق بشهادته عن هذا الحب لحظة الرحيل، لكنه نطقها بلغة مختلفة كما نطق تشيكوف عند وفاته بالألمانية التى لا يعرفها معلنا عن ذلك،تقول الكاتبة: قال: “أحبك”بلهجة مؤثرة..بفرنسية حانية. وتضيف” ربما الإنسان أمام لحظته الحقيقية..توهج الحب أو الموت..يعود نقيا..ملهما..تتجلى قدرته..يقرأ..يصير ناطقا” وترى الكاتبة فى نهاية القصة أن الموت ليس نهاية الحب بل هو البداية التى نشدتها طوال العمر فتقول” كأنى أشهد بعثى..نولد من جديد”لغة خاصة”تشيع حولنا
فوزية مهران تزن اللحظة بميزان الذهب،تكتنز المعنى فى تلك الجملة الخاطفة أو اليد الحانية،ليبقى اقتصادها المدهش هو مفتاح الوصول إلى تلك اللحظة الباهرة.

اترك رد

Create Account



Log In Your Account



%d مدونون معجبون بهذه: