نفيسة عبد الفتاح تكتب: “الوتد” خيرى شلبى مبدع القرية والمهمشين

نفيسة عبد الفتاح تكتب: “الوتد” خيرى شلبى مبدع القرية والمهمشين

نفيسة عبد الفتاح تكتب: “الوتد” خيرى شلبى مبدع القرية والمهمشين

يظل الأديب الكبير خيرى شلبى ابن قرية شباس عمير حالة خاصة فى الأدب العربى، ذلك الرجل الذى عشق العمل اليدوى واشتغل عاملا للترحيلة فى طفولته وكابد على ماكابد بحثا عن لقمة العيش ، بل وبحثا عن فراش للمبيت كان كل مايحتاجه له “عشرة قروش” لم يكن الحصول عليها بالأمر الهين فى ليالى القاهرة القاسية على شاب مثله، وكأن قدره كان الغوص فى هذا العالم ليفتح لنا عليه أبواب النور، وليفصح عن كاتب لا يمكن أن يهمش،وحكاء من طراز خاص يكتب عن هؤلاء المسحوقين بكل هذا القدر من التنوع، وكل تلك المصداقية، وليطلق من رحم معاناته تلك السخرية التى شكلت رؤية مغايرة للتاريخ فكان أحد ملوك رواية الفانتازيا التاريخية ، لم يأت لنا خيرى شلبى بالقرية، بل أخذنا اليها، انطلق بنا إلى عالم الموالد والأضرحة وأحلام وأوجاع البسطاء فى زمن الجوع ،أدهشنا فى”الوتد” بتلك الأم التى تصنع الرجال الحاجة فاطمة تعلبة التى يشفى خليط عطارتها الآذان ويجلو طرف لسانها الأبصار،كانت ذخيرة قلمه هى كل أيامه وشقاء عمره بعد أن تبدلت الدنيا ورحلت أيام العز القديم “ابن ناظر الخاصة الملكية” ليتقلب بين عدد كبير من المهن البسيطة وهو بعد طفل ،تلك الخبرات التى أزهرت وأثمرت ومنحته تفردا عن كل من كتب عن القرية والمهمشين وجاءت مفرداته المختارة بعناية لتمزج بين الفصحى والعامية مزجا يحتال على القارىء حتى يخال العامية فصحى ، أما الأنثى فى عالم شلبى فهى الأم بكل عطائها،و”صهاريج اللؤلؤ”تكتتز نغما يعزفه بطل الرواية”عبد البصير الصوفانى”على اوتار كمان اختاره طريقاً،وفى “لحس العتب” تبقى معاناة البشر جزء من انسانيتهم وتاريخ الوطن وحاضره،
عاش خيرى شلبى ليحكى ، وحقق الواقعية السحرية فى أعماله (رحلات الطرشجى الحلوجى) و(السنيورة) و(بغلة العرش)إلا ان روايته (الشطار)تحقق مالم تحققه رواية أخرى على هذا المستوى من الكتابة حيث يرويها “كلب” فى(خمسمائة صفحة).
حكي لنا شلبى صاحب النفس الطويل فى التقديم لحكيه حتى تظن أنه أفرط دون داع ثم تكتشف انك بداخل القصة منذ البداية. وقد أنصفه أديبنا الكبير نجيب محفوظ عندما سُئل عن سبب عدم كتابته عن القرية، فأجاب: «كيف أكتب عن القرية ولدينا خيرى شلبى”ويعترف شلبى بأن أديبنا الكبير يحى حقى أب شرعى،ويقول عن نجيب محفوظ : ” افتتح ملعباً، ودرّبنا على اللعب فيه. وإذا بكلّ منّا يلعب على طريقته الخاصة”

ليس غريبا أن يكون فساد طبقة الشمشرجية فى رواية شلبى ”زهرة الخشخاش“ يطابق ماعانته مصر على مدار تاريخها من ضرب الفساد لأركان المجتمع باحتكار ثرواته وافساد وجه الحياة السياسية فيه ،وكلمات العم إسماعيل فى الرواية هى نبوءة القاص وحكمته ، يقول”صدقني يا خليل أفندي، بعد عمر طويل سترى شجرة الشماشرجية الفاسدة هذه تسيطر على المجتمع المصري بشكل أو بآخر. إنها العائلة المستعدة دائما للتحالف مع الشيطان. اليوم ضربوا جذورهم في كل الحقول، منهم الطبيب والمهندس والمحامي والوزير والكاتب والفقيه والتاجر والمقاول، جميعهم في النهاية شماشرجية. إنهم كالجراثيم التي تكمن في الجسم حين تشتد عليها مقاومته، لكنها لابد أن تعود من جديد بعدما تكتسب مناعة ضد الأدوية”
ولم يكن شلبى بعيدا عن تحولات المجتمع السياسية والاجتماعية ولم يكن معظم انتاجه الإبداعى إلا حصاد اشكال المعاناة المختلفة التى عاناها من عايشهم ولهذا لم يكن غريبا ان تدخل روايته “صحراء المماليك”الى عالم مغاير لما اعتدناه من شلبى لكنها فى حقيقتها لم تكن إلا حلقة من حلقات التأريخ للمجتمع حيث تعبر الرواية عن أزمة التعذيب فى السجون
كما عبرت روايته “اسطاسيا” عن الروح الحقيقية للشعب المصرى الذى لايفرق بين مسلميه ومسيحييه.
لم يكن شلبى قد تجاوز الثلاثين حين نشر كتابه الأول “اللعب خارج الحلبة” لكنه لفت الانتباه بروايته الثانية “الأوباش”عام 1978 وعلى الرغم من أن النقاد يعتبرون روايته “وكالة عطية”من أهم أعماله الأدبية
إلا ان خبرى شلبى يعتبر أن أهم كتبه على الإطلاق هو”محاكمة طه حسين” وهو الكتاب الذى يكشف عن ازهى عصور التنوير من خلال قرار النيابة بشأن البلاغات التى قدمت فى عميد الأدب العربى بسبب كتابه”الشعر الجاهلى” وركزت على تكفيره،حيث تناول خيرى شلبى فى كتابه قرار النيابة الذى عثر عليه مصادفة في إحدى مكتبات درب الجماميز المتخصصة في الكتب القديمة، وكان القرار مكتوبا فى كراسة متهرئة عليها توقيع النائب العام محمد نور الذي حقق مع طه حسين في القضية حيث اتضح أن النائب العام حفظ القضية لعدم كفاية الأدلة وليس كما كان شائعا انه تمت استتابة طه حسين لإنهاء القضية، وكانت أسئلة النائب العام وردود طه حسين عليها تنم عن المستوى الثقافي الرفيع واسلوب التعامل الراقى الذى انتصر فى النهاية لقيمة البحث العلمى وحرية الرأى، وهو ما حفز شلبى لإعادة رصد وقائع القضية وقد طبع هذا الكتاب أكثر من مرة بداية من عام 1969
وقد ترجمت معظم روايات “شلبى” إلى الروسية والصينية والإنجليزية والفرنسية والأوردية والعبرية والإيطالية،كما قدمت عنه عدة رسائل للماجستير والدكتوراه في جامعات مصرية وأجنبية.

وكتب فى جريدة الأسبوع مقاله الأسبوعى “من باب العشم” وكان آخر مقال له عن الشيخ عبد الباسط عبد الصمد”كوكب السلطنة” ، الذى كتب فى نهايته بعد أن أفاض فى وصف حلاوة صوت القارىء”ذلك ما يحدثه فيك صوت عبد الباسط عبد الصمد،يهشكك روحيا فيفصلك عن جاذبية الأرض الدنيوية الغرورة لبرهات متقطعة بإيقاعات جمل موسيقية نورانية يبعثها موكب القرآن الكريم تسافر بك الى عالم من الصفاء”

وقد حصل شلبي جائزة الدولة التشجيعية في الاداب عام 1981 ووسام العلوم والفنون من الطبقة الاولى عام 1981 وجائزة افضل رواية عربية عن رواية “وكالة عطية” عام 1993 والجائزة الاولى لاتحاد الكتاب للتفوق عام 2002 وجائزة نجيب محفوظ من الجامعة الاميركية في القاهرة عن رواية وكالة عطية عام 2003 وجائزة أفضل كتاب عربي من معرض القاهرة للكتاب عن رواية “صهاريج اللؤلؤ” وجائزة الدولة التقديرية في الاداب عام ‏2005‏، كما رشحته مؤسسة “إمباسادورز” الكندية للحصول على جائزة نوبل للأداب.

اترك رد

Create Account



Log In Your Account



%d مدونون معجبون بهذه: