د. عبير حسن عواد تكتب: إليزابيث..هكذا يحكي اليهود قصتهم لأطفالهم وللعالم

بعض كتب الأطفال لا نستطيع مقاومة رغبتنا في اقتنائها من فرط إعجابنا بها.. وهناك أيضاً كتب قد لا تنال استحساننا علي مستوي أو أكثر من مستوياتها، نشتريها أيضاً ولكن! لغرض في نفس يعقوب كما يقولون، وهذا ما حدث معي بالنسبة لكتاب موجه للأطفال بعنوان “إليزابيث”. وهذا الكتاب تحديداً له وقعٌ خاص في نفسي ليس لطيفاً علي الإطلاق! فهو بارز التوجه، يذكرني بواقع تعيس مُتشرزم نعيشه، يُلهينا عن تذكر المآثر أوالمآسي! يُميت فينا الأمل بأن قضايانا حية، وأن لنا حقوق لا تسقط أبداً بالبيع أو التدليس أو التقادم.
يحكي الكتاب مأساة إليزابيث.. يحفرها في الذاكرة بقصد واضح عبر تفاصيل إنسانية بسيطة، فتصبح حدثاً درامياً تتعاطف معه جموع الإنسانية.. وقد اكتفت الكاتبة بإخبارنا أن إليزابيث هو اسم العروسة أو الدمية.. وليس اسم بطلة النص التي لم يذكر اسمها ضمن أحداث القصة التي تبدأ أحداثها في ألمانيا. وفي مقدمة الكتاب الموجزة أخبرتنا الكاتبة أن هذه القصة هي قصة والدتها.. وهي تهديها لكل الأطفال الذين اضطروا لأن يتركوا الأشياء التي يحبونها!.(لاحظوا كيف استقطبنا هذا الإهداء الموجز عبر هذه الجملة، وجعلنا جزء من مأساة إليزابيث).
أخبرتنا الكاتبة عبر النص عن علاقة الفتاة الرائعة بعروستها إليزابيث.. وتوحدهما معاً حتي أن ظلهما أصبح واحداًّ! ( لا عجب من عدم ذكر الكاتبة إسم الفتاة)، ثم مضت تصور لنا الأشياء الجميلة في عالمهما المشترك، الحرباء الخضراء التي تحتفظ بها في برطمان زجاجي.. السلحفاة التي أهداها عم الفتاة لها.. وكلبتها فيفي. ( وهي أيضاً الأشياء ذات الطابع الإنساني التي يتعلق بها كثيراً الأطفال عامة، ولا يرغبوا أبداً في الاضطرار لتركها). بينما تلعب الكلبة فيفي بإليزابيث.. تعض ذراعها بأسنانها فتترك أثراً واضحاً.. فتذهب الفتاة بإليزابيث لوالدها الطبيب في عيادته ليُعالج لها ذراع عروستها.. ( اختيار موفق لمهنة الأب الإنسانية).
لاحظت الفتاة فجأة أنها عندما ترفع يدها في حجرة الدراسة بالمدرسة للتفاعل مع معلمتها.. تتجاهلها المعلمة! ( إشارة قاسية جداً من طفلة عن علاقتها بمعلمتها). كما لاحظت أيضاً أنه أصبح هناك جندي يقف باستمرار أمام عيادة والدها، يتأكد من أن لا أحد يدخل العيادة غير المرضي من اليهود! .. وفي أحد الليالي التالية.. أيقظتها أمها من النوم لتخبرها أنه يجب عليهم الرحيل الآن وبسرعة، وأنه لا مجال لأخذ أي شيء معهم!
رحلت الفتاة مع عائلتها، وتركت ورائها مضطرة عروستها إليزابيث. بعد أن وعدتها أمها بأنها ستعود يوماً لتأخذها. ( أي قهر يمكن أن يُحفر في ذاكرة طفلة صغيرة اضطرت للرحيل فجأة ليلاً دون أن تأخذ معها أشياءها التي تحبها). وبعد رحلة سفر ومعاناة طويلة بسبب الحرب آنذاك (التشرد والمعاناة).. استقرت الفتاة وعائلتها في “أميركا” وأدركت مع الوقت أنها قد ذهبت إلي الجانب الآخر من العالم.. وأنه لا مجال للعودة لأخذ إليزابيث مرة ثانية.
مرت أعوام عدة.. تزوجت الفتاة وأنجبت.. وفي عيد ميلاد ابنتها السادس فكرت أن تُهديها ( عروسة).
مضت الأم لشراء عروسة لابنتها.. كانت تبحث في قرارة نفسها عن إليزابيث! (إنها هي.. جزء منها) لكنها لا تري عروسة يمكن أن تشبهها أو تحل محلها! إلي أن شاهدت محلاً يبيع الأشياء القديمة ( الأنتيك)، ووجدت عروسة تشبه إليزابيث! أمسكت بها.. وكشفت عن ذراعها حيث المكان الذي عضته كلبتها فيفي بأسنانها.. لم تصدق نفسها وهي تري ذات الأثر الذي تركته فيفي سابقاً علي ذراع إليزابيث وفي نفس المكان! اشترت العروسة لابنتها.. وهي لا تصدق كيف عبرت إليزابيث حدود الزمان والمكان لتصل إليها.. ( عادت إليزابيث لأنها كانت دائماً موجودة في ذهنها، فكل شيء يمكن استعادته. فهل كانت إليزابيث هي الرمز!).
بالنسبة للرسوم المصاحبة للنص، أعتقد أنها ليست ذات مستوي فني عالٍ. فهي بتشكيلها وألوانها، وأساليب الفنان الأدائية تعتبر عادية وباردة إلي حد كبير، و كان من الممكن أن تكون أكثر إشراقاً وبهجة في النصف الأول من الكتاب قبل رحيل العائلة لتنقل لنا حالة السعادة والفرح التي تعيشها طفلة مع عروستها إليزابيث. كلك أتصور أن هناك تعمد مقصود برسم إليزابيث بطريقة لا تبدو فيها كدمية، وإنما كطفلة صغيرة!، وفي المشهد الأخير.. رسم وجه الأم وتمييزه بالأنف المعقوف الذي عُرفت به الشخصية اليهودية كملامح، بالإضافة إلي تأكيد هوية الجندي الواقف أمام عيادة الأب من خلال وضع الشارة النازية المميزة علي ملابسه العسكرية. عدا ذلك.. فقد أعجبني مشهد محطة القطار بتكوينه وشيوع الأسود فيه. وفي رأيي.. لم تحمل الرسوم في عمومها شحنة تعبيرية موازية لموضوع النص وأهدافه! وبدت “فاترة” إلى حد كبير.
هكذا يحكي اليهود قصتهم لأطفالهم وللعالم، ينكهونها بطريقتهم، وهذا حق كل إنسان مؤمن بقضيته. حتي الشخص المتجبر أو الظالم، فإنه يستبسل ويتمادي في الدفاع عن موقفه بكل السبل المتاحة! المزعج في الأمر، هو حالنا نحن كعرب في محنتنا الطويلة وتسليمنا باليأس! يجب أن نحكي لأطفالنا بطريقة إنسانية معاصرة تاريخنا.. حكي يُحفر في الوجدان لا تمحوه السنين، وبطريقة صادقة غير مُفتعلة. تهديهم لليقين وللإصرار بشموخ وعزة.. (ليس علي طريقة: أمجاد يا عرب أمجاد).
مازالت إليزابيث موجودة في مكتبتي بين الكتب، بيني وبينها حاجز نفسي كبير.. تذكرني بأننا مقصرين، بينما لا يعدم الآخر حيلة أو فرصة إلا وينتهزها ليؤسس لقضيته بهدوء وإصرار.
النص والرسوم ل “كلير نيفولا”، وتم النشر في 1996 باللغة الإنجليزية. جدير بالذكر أن المؤلفة لها عدة كتب للأطفال، وقد حصلت على جائزة “جين أدامز” للأطفال لكتاب الأطفال الأصغر سناً.
ربما أكون متحيزة أو غير عادلة ـ وهذه من المرات النادرة ـ .. من يدري! لكن هذا ما شعرت به

.. .. .. .. ..
دكتورة عبير حسن.. باحثة أكاديمية.. تكتب وترسم للأطفال.

عطور  Noses

نحن الأقدم دون منازع فى مجال العطور المصنوعة فى مصر بجودة عالمية وأسعار خارج المنافسة

العطر فى أنقى صورة وأفضل أداء وفوحان وخامات آمنة تماما على البشرة 

يمكنكم معرفة جديدنا الذى لا يتوقف عبلر موقع الويب الخاص بنا وعبر صفحتنا على فيسبوك وانستجرام

 

  • موضوعات ذات صلة

    للقطط نصيب معلوم أحدث رواية تكشف مفهوم العدالة

    للقطط نصيب معلوم أحدث اعمال الروائي طلال سيف التي تم اطلاقها إليكترونيا عبر منصة كيندل ديركت، مقدّمًا للقارئ تجربة سردية تمزج بين الرمزية والسريالية، وتفتح نافذة على عالم مليء بالتأملات الفلسفية والصور البصرية الساحرة. تأخذ الرواية القارئ إلى قرية مصرية في مطلع القرن العشرين، حيث تتقاطع حياة البشر مع حياة القطط في سرد عميق يعكس مفهوم العدالة الإلهية وتفاوت المصائر بين الكائنات. في إحدى مشاهد الرواية، يقول الكاتب: «أتجاوز ناحية الطريق الترابي، أرغب في الاطمئنان على أحبّتي أهل المواء، فربُّك لا ينسى أحدًا… سبحان ربك، ربِّ القطط.» يفتح سيف الرواية بمشهد ريفي غامض، يعكس الضوء والظل بطريقة شاعرية، ويقدم شخصيات متعددة من صيادين ونساء على ضفاف النهر وقطط تراقب بصمت، ليصوّر مجتمعًا يعيش على هامش الزمن، حيث تتشابك خيوط الصراع والقدر كما تتشابك شباك الصياد في مياه غائمة. ومع أن العنوان يوحي بالقطط، إلا أن الرواية تتجاوز ذلك لتتحدث عن البشر أيضًا، الذين يسعون للحصول على نصيب عادل في عالم يمزج بين العدل والقدر، والرحمة والاختبار. تتميز الرواية بأسلوب شعري ينبض بعبق الريف المصري، وتعرض مشاهد تتقاطع فيها الذاكرة بالحلم، لتؤكد أن العدالة الإلهية قد تتأخر، لكنها لا تختفي أبدًا. يواصل طلال سيف في هذا العمل مسيرته الإبداعية، معتمدًا على التجريب السردي والتعبير السريالي، مستفيدًا من خبراته السابقة في تقديم أعمال تجمع بين العمق الإنساني والرؤية الفلسفية العميقة. عطور  Nosesنحن الأقدم دون منازع فى مجال العطور المصنوعة فى مصر بجودة عالمية وأسعار خارج المنافسةالعطر فى أنقى صورة وأفضل أداء وفوحان وخامات آمنة تماما على البشرة يمكنكم معرفة جديدنا الذى لا يتوقف عبلر موقع الويب الخاص بنا وعبر صفحتنا على فيسبوك وانستجرام 

    Read more

    Continue reading
    كنوز الصحة ويواقيت المنحة في طبعة جديدة لدار الكتب والوثائق القومية

    طبعة جديدة من كتاب “كنوز الصحة ويواقيت المنحة”، أصدرتها مؤخرا دار الكتب والوثائق القومية،، والكتاب يعتبحد أبرز المؤلفات الطبية في مصر خلال القرن التاسع عشر، والذي يعد من أوائل الكتب التي جمعت بين الطب الوقائي والعلاجي بأسلوب ميسر لعامة الناس، في إطار مشروع محمد علي باشا لتحديث مصر. يأتي هذا الإصدار في سياق اهتمام دار الكتب بإحياء كنوز التراث العلمي والطبي المصري، عبر نشر الطبعة المنقحة من هذا الكتاب النادر الذي لعب دورًا بارزًا في تغيير نظرة المصريين للصحة والطب الحديث، في زمن كانت فيه الأوبئة كالكوليرا والطاعون تحصد أرواح الآلاف، وكان الاعتماد على المشعوذين والدجالين أكثر شيوعًا من اللجوء إلى الأطباء. يعود أصل الكتاب إلى الطبيب الفرنسي كلوت بك، أحد أبرز أعمدة النهضة الطبية في مصر خلال حكم محمد علي، الذي أوكلت إليه الدولة تأسيس مدرسة الطب وتحديث المنظومة الصحية، وقد أملى كلوت بك الكتاب باللغة الفرنسية ليخاطب فيه عامة الناس لاختصار الفجوة بينهم وبين مفاهيم الطب الحديث، ثم ترجم الكتاب إلى العربية وحرره محمد التونسي ابن سليمان بأسلوب واضح، متجنبًا المصطلحات المعقدة، ليصل نفعه إلى جميع طبقات المجتمع. ويتناول الكتاب قضايا الصحة العامة، من البيئة الصحية، والتغذية، والنظافة، والوقاية من الأمراض، إلى تشخيص وعلاج أمراض مثل الطاعون والكوليرا والحمى واليرقان وأمراض الأطفال والنساء، وحتى التعامل مع التسمم ولسعات الحشرات. كما يشرح كيفية تناول الطعام وشرب المياه وتنظيم النوم والرياضة، ويخصص فصولاً للأمومة والطفولة. ولم يغفل الكتاب أثر الطب على الأمن القومي، إذ شدد مؤلفوه على أهمية بناء مجتمع سليم الأبدان لدعم نهضة الدولة الحديثة، في وقت كانت الدولة تنفق كثيرًا على البنية الصحية، وتؤسس مدارس الطب والقابلات والمستشفيات والمارستانات. ويعتبر “كنوز الصحة ويواقيت المنحة” من أوائل المؤلفات التي خاطبت العامة بأسلوب علمي مبسط، مما جعله يلقى رواجًا كبيرًا في زمانه، حتى نفدت طبعته الأولى التي صدرت عام 1844 من مطبعة بولاق، وأعيد طبعه عام 1854 عن المطبعة الميمنية. وأكد د. أحمد الشربيني السيد، أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة ومحرر الكتاب، أن إعادة إصداره عن دار الكتب تمثل خطوة مهمة في توثيق تاريخ الطب في مصر الحديثة، والجهود التي بُذلت لبناء منظومة صحية متكاملة، وأضاف أن الكتاب لا يزال يشكل مرجعًا مهمًا للباحثين في تاريخ الطب، والأوبئة، والتغذية، والمجتمع المصري في القرن التاسع عشر. يشار إلى أن الكتاب يقدم أيضًا بُعدًا ثقافيًا واجتماعيًا مهمًا، حيث يعكس كيف تحول الوعي المجتمعي تجاه الصحة العامة من الاعتماد على الخرافات، إلى الأخذ بأسباب العلم والطب الحديث، في إطار مشروع الدولة لبناء الإنسان المصري الحديث. عطور  Nosesنحن الأقدم دون منازع فى مجال العطور المصنوعة فى مصر بجودة عالمية وأسعار خارج المنافسةالعطر فى أنقى صورة وأفضل أداء وفوحان وخامات آمنة تماما على البشرة يمكنكم معرفة جديدنا الذى….

    Read more

    Continue reading

    للقطط نصيب معلوم أحدث رواية تكشف مفهوم العدالة

    للقطط نصيب معلوم أحدث رواية تكشف مفهوم العدالة

    حسن غريب يكتب: هل كُلّه عند العرب صابون؟

    حسن غريب يكتب: هل كُلّه عند العرب صابون؟

    هبوط كبير للذهب مع افتتاح البورصات العالمية

    هبوط كبير للذهب مع افتتاح البورصات العالمية

    المخرج هشام عطوة رئيسا لقطاع المسرح خلفا لخالد جلال

    المخرج هشام عطوة رئيسا لقطاع المسرح خلفا لخالد جلال

    حسن غريب يكتب: العلاقات المتفاوتة والوساطات في المشهد الثقافي: بين تغييب الإبداع وهيمنة العلاقات

    حسن غريب يكتب: العلاقات المتفاوتة والوساطات في المشهد الثقافي: بين تغييب الإبداع وهيمنة العلاقات

    قصور الثقافة تواصل فعاليات برنامج المواطنة بقرية منشية الحواصلية بالمنيا