عبدالله السلايمة يكتب: النور والعتمة في مملكة الكتابة

في كلّ حقل من حقول الإبداع، يتجاور النور والظلّ، ويتناوب الجمال والقبح على رسم ملامح المشهد. ومثلما تولد الأعمال الخالدة من الإخلاص للحقيقة والجمال، تولد بعض النصوص من مشاعر دفينة لا تقلّ ظلمة عن الحبر نفسه. هنا، لا تُقاس الموهبة بما يكتبه القلم فحسب، بل بما تُخفيه روح الكاتب من نوايا وطباع.
للكتابة وجهان؛ وجه مضيء يشعّ بالجمال ويستدعي القيم النبيلة في الإنسان، ووجه آخر مظلم، يختبئ فيه الغرور والحسد والأنانية. فالكتابة، مثل كلّ فعل إنساني، يمكن أن تكون طريقًا إلى النور، كما يمكن أن تتحوّل إلى أداة للظلمة حين يتسلّل إليها الحقد أو الغيرة أو الرغبة في الإيذاء. بين القلم الذي يزرع الأمل، والقلم الذي يشيع السمّ، مسافة دقيقة تفصل الإبداع الصادق عن التشويه المتعمّد.
لقد عرفت الساحة الأدبية، منذ أقدم العصور، صراعات حادّة بين الكُتّاب والشعراء، لم تكن دائمًا بسبب الفكر أو الفن، بل كثيرًا ما أشعلتها الغيرة وحبّ الظهور. فقد كان جرير والفرزدق في العصر الأموي مثالًا واضحًا على منافسة تحوّلت إلى معركة هجاء طويلة، تجاوزت حدود الإبداع إلى تصفية الحسابات الشخصية. ورغم القيمة الشعرية الهائلة لكليهما، فإنّ الغيرة بينهما صاغت جزءًا كبيرًا من حضورهما في الذاكرة العربية.
قديمًا، اشتعلت الخصومة بين أبي تمام والبحتري، إذ رأى كلٌّ منهما نفسه أحقَّ بالريادة، بينما ظلّ النقّاد منقسمين بين أنصار هذا وذاك.
أمّا المتنبي، فقد كانت غيرته من خصومه أسطورية؛ إذ لم يحتمل أن يُزاحم أحد مجده، فهاجم الشعراء والأمراء على حدّ سواء، وسُجّل له من الهجاء ما لا يقلّ عن قصائد الفخر.
وفي العصر الحديث، تكرّر المشهد ذاته وإنْ بوجوه جديدة. فقد كانت الخصومة الشهيرة بين طه حسين والعقّاد من أبرز صراعات القرن العشرين الأدبية في مصر، حيث امتزج فيها الفكر بالأنا، والنقد بالعداوة الشخصية.
هاجم العقّاد طه حسين في مقالاته، وردّ الأخير بتلميحاتٍ لاذعة في محاضراته وكتاباته. ورغم إسهامهما الكبير في نهضة الفكر العربي، فإنّ العلاقة بينهما ظلّت متوترة حتى النهاية.
كما شهدت الساحة اللبنانية صدامًا خفيًّا بين جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة؛ فبرغم انتمائهما إلى “الرابطة القلمية”، كان جبران أكثر نزوعًا إلى الفردية والتألّه، بينما اتخذ نعيمة موقف الناقد المتحفّظ من “أنانية جبران الفنية”.
أما في الغرب، فقد تناقلت الأوساط الأدبية خلافات مشهورة بين كبار الكُتّاب؛ فتولستوي لم يُخفِ امتعاضه من شهرة دوستويفسكي، وهيمنغواي كان يهاجم فوكنر علنًا، وغور فيدال كان يعتبر ترومان كابوتي عدوَّه الأدبي الأول.
وفي عصرنا الرقمي، لم تعد المعارك الأدبية تدور في المقاهي الثقافية، بل على الشاشات الصغيرة. فقد اشتعلت، خلال السنوات الأخيرة، صراعات بين كُتّاب عرب على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يُترجم الحسد إلى تغريدة، والغيرة إلى منشور غامض. هناك، تتغذّى الأنا على “الإعجابات” و”المتابعين”، ويُقاس المجد الأدبي بكمّ التفاعل لا بعمق التجربة. صار بعض الكتّاب يكتبون ليُرى اسمهم، لا ليُرى أثرهم.
ومع ذلك، يبقى في كلّ زمن أولئك الذين يكتبون لأنّ الكتابة قدر لا فكاك منه. يكتبون كما يتنفّسون، لا كما يتنافسون. لا يعنيهم الصراع ولا الجوائز ولا الأضواء، لأنّ مجد الكتابة الحقيقي لا يُقاس بما يُقال عن الكاتب ، بل بما يتركه في وجدان قارئ واحد. هؤلاء وحدهم من يُبقون للكتابة وجهها المضيء، ويحمونها من عتمة الأحقاد.
حين تتحوّل الغيرة الأدبية إلى حسد، لا تدمّر صاحبها فقط، بل تلوّث المناخ الثقافي بأكمله. فهي تُنتج بيئة مشحونة بالاتهام والريبة، وتُحوّل الإبداع إلى حلبة صراع بدلاً من أن تكون جسرًا للحوار والتجديد. وحين تتغلغل هذه العدوى، يفقد الأدب قدرته على الإشراق، لأنّ الحسد لا يثمر سوى المرارة.
ورغم كلّ ذلك، تبقى الكتابة فعلًا من أفعال المقاومة ضدّ العتمة الإنسانية. فكلّ من يكتب بصدق، إنما يُطهّر نفسه من شوائبها.
الكتابة الصادقة تشبه الضوء، لا يمكن حجبها طويلًا، والكتابة المسمومة تُفضَح برائحتها مهما تجمّلت. لذلك، تظلّ الكتابة امتحانًا أخلاقيًّا قبل أن تكون مهارة جمالية، وميزانًا للروح قبل أن تكون ميدانًا للعقل.
ومهما طال صراع الأقلام، فإنّ الكتابة، في جوهرها، تظلّ فعلاً من أفعال النور. قد تتلطّخ السطور أحيانًا بظلّ الغيرة أو شوائب الأنانية، لكنّ الكلمة الصادقة تعرف طريقها إلى الضوء وحدها، لا يضلّها زيف ولا يغويها صخب. فالأدب الحقّ لا يعيش في القلوب المعتمة، بل في النفوس التي رأت الألم فحوّلته إلى جمال، وعرفت الغيرة فطهّرتها بالإبداع.
إنّ الكاتب الذي يكتب بقلب نقيّ، يترك أثرًا أبقى من كلّ الجوائز، وأصدق من كلّ المديح. فحين تبهت الأسماء، وتخفت الأضواء، لا يبقى في ذاكرة الأدب إلا ذلك النور الهادئ الذي خرج من روح كتبت لا لتنتصر على أحد، بل لتفهم الحياة أكثر، وتحبّها بعمق أكبر.

عطور  Noses

نحن الأقدم دون منازع فى مجال العطور المصنوعة فى مصر بجودة عالمية وأسعار خارج المنافسة

العطر فى أنقى صورة وأفضل أداء وفوحان وخامات آمنة تماما على البشرة 

يمكنكم معرفة جديدنا الذى لا يتوقف عبلر موقع الويب الخاص بنا وعبر صفحتنا على فيسبوك وانستجرام

 

موضوعات ذات صلة

حسن غريب يكتب: هل كُلّه عند العرب صابون؟

ما زال المثل الشعبي الشهير «كله عند العرب صابون» يتردّد على ألسنة الناس في مواقف الحياة اليومية، فيُقال حين يخلط البعض بين المختلفات، أو حين يفقد التمييز بين الجيد والرديء. ورغم طرافته، فإن هذا المثل العفوي يحمل في أعماقه رؤية نقدية لاذعة لواقعٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ مأزوم، يعاني من ضياع المعايير وغياب الدقة في الحكم على الأشياء والأشخاص. أصل المثل ودلالته نشأ المثل في زمنٍ كان فيه الصابون من رموز الرفاه والنظافة، إلا أنّ العرب لم يعرفوا أنواعًا متعددة منه، فكان كلّ ما يُستخدم للتنظيف يُسمّى “صابونًا”، بغضّ النظر عن جودته أو مكوّناته. ومن هنا قيل تهكمًا: «كله عند العرب صابون» أي إنّهم لا يُفرّقون بين الشيء النفيس والعادي، ولا بين الغثّ والسمين، فيصبح كل شيء عندهم متشابهًا بلا تمييز. المعنى الرمزي حين نقرأ المثل في ضوء واقعنا المعاصر، نجده يعكس خلطًا خطيرًا في القيم والمفاهيم. فقد اختفى المعيار الحقيقي، وصار الناس يساوون بين: المثقف الحقيقي ومن يكرر عبارات محفوظة، الشاعر المبدع ومن يملأ الفضاء بكلماتٍ خاوية، الفنان الأصيل ومن يتاجر بالابتذال. لقد غابت الفرزات الجمالية والفكرية، فصار الرديء يزاحم الجميل، والمزوّر ينافس الأصيل، وكأنّ المثل القديم ما زال يُحكم المشهد: كله صابون! دلالة اجتماعية وفكرية: يكشف هذا المثل عن أزمة وعي مجتمعي حين تختلط الأمور، ويُمحى الفرق بين المخلص والمدّعي. إنها نتيجة طبيعية لتراجع التعليم، وضعف الثقافة، وتغليب المظاهر على الجوهر. فتُصبح الشهرة بديلًا عن القيمة، والضجيج غطاءً على الفراغ، والعنوان أهمّ من المضمون. وهنا تتكرّس ثقافة المساواة السلبية التي تُلغِي الفوارق، وتُطفئ وهج الإبداع، وتقتل روح التميّز في المجتمع. إسقاط ثقافي: في المشهد الثقافي العربي اليوم، تتجلّى روح هذا المثل بصورة مؤلمة. نرى نصوصًا سطحية تُقدَّم كأدب، وأغانٍ خفيفة تُرفع إلى مقام الفن، ومؤثرين بلا علم يُنصَّبون قادة رأي. وفي ظلّ هذا التشويش، تتراجع القيم الجمالية والمعرفية لحساب الشهرة المؤقتة والانتشار الرقمي، حتى غدت الثقافة ساحةً مفتوحة لكل من يملك منصةً لا فكرة. وهكذا يُعاد إنتاج المثل، لكن بوجهٍ حديث: «كله عند العرب صابون… حتى الثقافة!» نحو وعي جديد: الخروج من هذه الدائرة يبدأ بإحياء الوعي النقدي. فلا نهضة بلا تمييز بين الجميل والقبيح، ولا رُقيّ بلا احترام للفكر والإبداع الحقيقي. علينا أن نعيد المعايير إلى مكانها: نُكرِّم من يُتقن، لا من يتصدر. نُقدِّر من يُبدع، لا من يُقلِّد. نحتفي بالجوهر، لا بالمظهر. فالأمم الراقية لا تقول “كله صابون”، بل تسأل: ما نوعه؟ ما قيمته؟ من صنعه؟ وقبل النهاية : يبقى المثل الشعبي «كله عند العرب صابون» أكثر من جملة عابرة؛ إنه مرآة نقدية لواقعٍ يتطلّب مراجعة فكرية وثقافية شاملة. فالمجتمعات لا تتقدّم بالتشابه، بل بالاختلاف الخلّاق، ولا تُبنى على التعميم، بل على التمييز والوعي. فلنغسل عقولنا لا بالصابون، بل….

Read more

Continue reading
حسن غريب يكتب: العلاقات المتفاوتة والوساطات في المشهد الثقافي: بين تغييب الإبداع وهيمنة العلاقات

تُعدّ الساحة الثقافية المصرية خاصة والعربية عامة مرآةً تعكس واقعًا اجتماعيًا متشابكًا، تسوده في كثير من الأحيان العلاقات الشخصية والوساطات والمحسوبيات، التي باتت تتحكم في فرص المشاركة بالمؤتمرات والندوات، وعمليات النشر والطباعة في المجلات والصحف ودور النشر. هذه الظاهرة لا تمثل فقط خللًا في العدالة الثقافية، بل تكشف عن أزمة بنيوية في منظومة القيم والمعايير التي يُفترض أن تقوم عليها الحركة الإبداعية. أولاً: اختلال معيار الكفاءة لصالح العلاقات من المفترض أن تقوم المشاركة في الفعاليات الثقافية على أسس الجدارة الفكرية والكفاءة الإبداعية، إلا أن الواقع يكشف عن تغليبٍ واضح للاعتبارات الشخصية والعلاقات المتبادلة. فكثير من الدعوات إلى الندوات والمؤتمرات لا تُوجَّه بناءً على قيمة المنتج الأدبي أو الفكري، بل وفقًا لمبدأ “من يعرف من”، مما أدى إلى تكوين نخبٍ مغلقة تحتكر المنابر والفرص. وبذلك تكرّست حالة من الطبقية الثقافية التي تتيح لبعض الأسماء التكرار الدائم في المحافل، بينما يُقصى المبدع المستقل الذي لا يملك سوى موهبته. ثانيًا: استغلال الوظائف الثقافية وغياب النزاهة المؤسسية من أبرز مظاهر الخلل أيضًا استغلال بعض العاملين بالمؤسسات الثقافية الرسمية أو شبه الرسمية لمناصبهم، لتحقيق مكاسب شخصية على حساب العدالة المهنية. فقد أصبح مألوفًا أن نجد موظفًا في إحدى هذه المؤسسات يطبع عشرات الكتب باسمه على نفقة المؤسسة، أو يحصل على فرص السفر والمشاركة في المؤتمرات داخل وخارج البلاد دون وجه حق، في حين يُحرم منها المبدع الأجدر والأكثر استحقاقًا. هذه الممارسات لا تُهدر فقط المال العام، بل تُفرغ المؤسسات الثقافية من دورها التنويري، وتحوّلها إلى منصات مغلقة تدور في فلك المصالح الشخصية، مما يقتل روح المنافسة الشريفة ويضعف الحراك الثقافي العام. ثالثًا: انعكاسات الواسطة على جودة المحتوى الثقافي حين تتحول الواسطة إلى بوابة العبور، تُصاب الثقافة بترهّلٍ نوعي. فبدلًا من أن تكون المؤتمرات فضاءً لتبادل الأفكار، تصبح مناسبات شكلية للتكريم المتبادل، ويُحتفى بالأسماء المكرّسة لا بالنصوص المتميزة. تلك الممارسات تُسهم في تراجع مستوى المنتج الثقافي، وتُفقد المؤسسات مصداقيتها بوصفها حاضنةً للإبداع. كما تؤدي إلى فقدان الثقة لدى الجمهور في الجوائز والمناشط الثقافية، إذ يصبح الانطباع السائد أن “الفرص لا تُمنح للأفضل، بل للأقرب”. رابعًا: المبدع الحقيقي بين التهميش والصمود أما المبدع الحقيقي الذي لا يملك واسطة أو سندًا مؤسسيًا، فيعيش معركته الخاصة مع التجاهل والإقصاء. هو الذي يعمل بصمت، ويكتب بإخلاص، لكنه يجد الأبواب مغلقة لأن معيار الاختيار لا يقوم على الإبداع بل على العلاقات. ومع ذلك، يبقى هذا المبدع هو الضمير الصامت للمشهد الثقافي، لأنه يكتب للحياة لا للمنفعة، وللصدق لا للمجد الزائف. وقد أثبت التاريخ أن المبدعين الذين حوربوا أو همِّشوا في حياتهم، هم أنفسهم الذين خلدتهم الذاكرة الثقافية، بينما ذهبت أسماء “الواسطة” إلى النسيان. خامسًا: نحو منظومة ثقافية عادلة إن إصلاح هذا الواقع….

Read more

Continue reading

للقطط نصيب معلوم أحدث رواية تكشف مفهوم العدالة

للقطط نصيب معلوم أحدث رواية تكشف مفهوم العدالة

حسن غريب يكتب: هل كُلّه عند العرب صابون؟

حسن غريب يكتب: هل كُلّه عند العرب صابون؟

هبوط كبير للذهب مع افتتاح البورصات العالمية

هبوط كبير للذهب مع افتتاح البورصات العالمية

المخرج هشام عطوة رئيسا لقطاع المسرح خلفا لخالد جلال

المخرج هشام عطوة رئيسا لقطاع المسرح خلفا لخالد جلال

حسن غريب يكتب: العلاقات المتفاوتة والوساطات في المشهد الثقافي: بين تغييب الإبداع وهيمنة العلاقات

حسن غريب يكتب: العلاقات المتفاوتة والوساطات في المشهد الثقافي: بين تغييب الإبداع وهيمنة العلاقات

قصور الثقافة تواصل فعاليات برنامج المواطنة بقرية منشية الحواصلية بالمنيا