السيناريست عماد النشار يكتب: شِلّة الثقافة وثقافة الشِلّة

حين يتصدر الأقزام المشهد، يقول المثل الإيطالي: “‏الويل للبيت الذي تصيح فيه الدجاجة، ويصمت الدِيك”. ليست كل مآسي الثقافة سببها نقص التمويل أو تهميش الجهات الداعمة، أو قلة عدد المبدعي ، بعض المصائب تبدأ ببساطة حين يعتلي الكراسي من لا يعرف الفرق بين “الفكر” و”الفولكلور”، ومن يعتقد أن الكتابة حالة ديكورية، لا مسؤولية معرفية. حين يتصدر الأقزام المشهد، يبدأ الخطر الحقيقي لا حين يقل الحضور، بل حين يمسك الميكروفون من لا يستحق، ويتصدر الفعالية من لا يفقه إلا الظهور، ويصبح القائد من لا يقود إلا نفسه نحو المزيد من التصفيق. نكبة الثقافة ليست في فقرها، بل في “روّادها”، فالمشكلة ليست في ضعف الإمكانات، بل في أن الكيانات الثقافية، من منتديات وجمعيات ومؤسسات فكرية، باتت تستبدل الكفاءة بالكرنفالية، والمحتوى بالواجهة، والمضمون بصوت المديح. الأقزام هنا ليسوا في الطول أو البنية، بل في الفكر والرؤية، هم صغار الهمة، محدودو الفهم، الذين إذا وكلت إليهم الأمور أضاعوها، وإذا تكلموا شوهوا، وإذا قرروا خرّبوا، لا يرون أبعد من أنوفهم، ولا يسمعون إلا أصوات مديحهم، ولا يعترفون إلا بأنفسهم، يُقصون أصحاب الخبرة لأنهم يخشون ظلهم، ويحاربون العقول لأنهم لا يطيقون النور. فـالأقزام… لا تُقاس بالقامة بل بالمساحة التي يشغلونها من الفراغ،حين نقول “أقزام”،فالمسألة فكرية تمامًا، نحن نتحدث عن من قرأ كتابًا في حياته فحسب، ثم بات “ناقدًا مخضرمًا”، أو من كتب منشورًا نال بضعة إعجابات فظن نفسه نيتشه الجديد، هؤلاء الذين تصنفهم المؤسسات لا على أساس إبداعهم أو عمقهم، بل على عدد صورهم مع الكبار، أو قدرتهم على استخدام كلمات منمقة دون أن يقولوا شيئًا حقيقيًا، تراهم في الندوات يتحدثون عن “أزمة الوعي”، وهم أكبر مثال حي عليها، ورغم ذلك يتحدثون عنها،كأنهم اخترعوا العقل، بينما لا يفرّق أحدهم بين الإدراك والغيبوبة. أما القامات، فهم أولئك الذين يملكون رؤية، ويحملون في صدورهم همّ الأمة، ويضعون المصلحة العامة فوق أهوائهم، هم الذين تعلّق عليهم الشعوب آمالها، وتستند إليهم الأوطان في الشدائد، فإذا أُبعد هؤلاء، غاب البصير، وساد العشوائي، وضاعت البوصلة،هؤلاء القامات هم القوة الناعمة التي تؤثر بهدوء ، وتُحدث فرقًا بالكلمة والموقف، هم من يزرعون الوعي، ويُحركون العقول، ويمنحون الناس الأمل في الغد،بحضورهم، تتوازن الأمور، ويعلو صوت الحكمة، ويجد الناس من يثقون به في لحظات الاضطراب،وإذا غابوا، خفت الضوء، وضعُف الخطاب، وسادت الفوضى في الفكر والرأي. حين تتحول الفعالية الثقافية إلى مناسبة اجتماعية، تصبح المنصة في بعض المنتديات والجمعيات الأدبية مائدة نرجسية، والندوة كرنفال تُدار “بكله بالحب”،الكلمة لا تُمنح للأكثر اجتهادًا، بل للأكثر تواجدًا ونفاقًا، والنصوص لا تُناقش بمهنية وتجرد، بل تُصفّق لها المجاملات، وتُدفن في نهاية اللقاء بلا أثر،بعد توزيع المنح والعطايا والهبات والبدلات، أما إن جاء صاحب فكر، أو باحث مُجدّ، أو كاتب لا يهادن الرداءة،….

Read more

Continue reading