د. رضا شحاته يكتب: ذكرياتى معها .. “بلقيس” زوجة نزار قبانى
فى البداية .. أسمحوا لى أن أكون مغروراً أو شديد الفخر بنفسي ولو للحظات قليلة، سأقول: كنت الأول على دفعتى طوال سنوات الدراسة وبالرغم من الأمكانات المادية المحدودة .. حصلت على أمتياز مع مرتبة الشرف وتم تكليفى بوظيفة معيد بالكليةً بمرتب 37 جنيهاً عام 1979 .. ومثل كل ريفى مغترب فى بداية الثمانينيات كنت أسكن فى غرفة مفروشة صغيرة فى رحاب مسجد السيدة زينب رضوان الله عليها .. وفى هذه الغرفة كنت لا أمتلك شيئاً إلا مجموعة كبيرة من الكتب وجرامافون شنطة سويسرى قديم ماركة بيلارد العريقة .. وكاسيت حديث صغير ماركة “Sony” والكثير من الشرائط الغنائية للسيدة العظيمة فيروز .. وبعض الأسطونات القديمة للشيخ محمد رفعت .. والأنسة أم كلثوم .. ومطرب الملوك والأمراء محمد عبد الوهاب. وفى هذا الزمن …. المتدفق بالذكريات والشجن الجميل .. عندما يأتى المساء كنت أهيم على وجهى كل يوم كالعاشق الحالم فى الشوارع .. كنت مجذوباً لنداء مجهول يأتينى من وراء الحجب فى الحوارى والأزقة .. والدروب الطويلة بالقاهرة العتيقة .. وعندما كنت أشعر بالتعب من المشى ينتهى بى المطاف وأصل إلى ميدان السيدة لأتسكع فى رحابه .. أشترى فطائر السكر الساخنة والمكدسة على العربات الخشبية الملونة .. وأطارد وجوه الناس الغلابة فى آخر الليل أجلس معهم ونقتسم الفطائر ومع حكاوى مجاذيب أهل البيت ومن ضل الطريق فى دنيا الله .. كنت أبحث معهم عن معنى الحياة وعطرها .. وفى وجوه هؤلاء الناس كنت أكتشف الرحمة والإنسانية ومعانى ليست فى قواميس اللغة مثل .. البركة .. والمدد .. وخليها على الله .. وفى نهاية هذه الرحلة المسائية كنت ألتقى بصديقى المرحوم الدكتور”صابر عكاشة” نشترى الجرائد التى ستصدر بالغد ونجلس على مقهى صغير نستمع إلى تقاسيم شرقية لعازف عجوز مجهول ونشرب الشاى بالنعناع والزنجبيل ونتحاور فى كل شيء .. عن عبث الحياة ، الحب والفن والحرية والنساء والسياسة .. وفى نهاية الجلسة كالعادة نتصفح عناوين الجرائد اليومية فى عجالة ونفترق. وذات مساء حزين ….. فتحت جريدة الجمهورية على الصفحة الأخيرة وصدمتنى كلمات ليست كالكلمات قصيدة طويلة باسم “بلقيس ” مرثية الشاعر الكبير ” نزار قبانى ” لزوجته العراقية التى قتلت فى تفجير ببيروت عام 1981.. أصبت بالدوار من المعانى الصادقة والصادمة وتركت صاحبى “صابر” .. وذهبت مسرعاً إلى غرفتى لأقرأ القصيدة عدة مرات .. فى تلك الليلة كنت وحيداً أمطرتنى القصيدة بالحزن والغضب .. بكيت .. ولم أذق طعم النوم فالكلمات مرعبة , كانت صرخة حب حزينة هزت المشاعر الإنسانية بعنف . وفى الصباح ….. ذهبت إلى الكلية فى الزمالك تائهاً شارداً ووقفت فى بداية المحاضرة فى خجل كالصبيان وفى يدى الجريدة لأحكى عن قصة عشق عربية بدأت بالحب والرفض وانتهت بالموت والديناميت ! ……
Read more




