السيناريست عماد النشار يكتب:
سيناء. الأرض التي صهرتها الشمس واحتضنتها الرمال، الأرض التي نقشت على صخورها حكايات البطولة، واحتفظت في طياتها بأسرار لا تزال تحكيها الرياح في صمتٍ مهيب. ليست مجرد مساحة جغرافية على خارطة مصر، بل هي قلب ينبض بالتاريخ والمجد، وساحة شهدت معارك أبدية بين الحق والباطل، بين الحرية والاحتلال.
وإن كانت سيناء قد حفرت مكانتها في الذاكرة الوطنية بحروبها وأمجادها، فقد وجدت الدراما التلفزيونية في قصصها كنزًا لا يُفنى، تحاول أن تنقله من صفحات التاريخ إلى شاشات البيوت، حيث يمتزج الواقع بالخيال، ليولد فن يحكي للأجيال قصة الأرض التي لا تموت.
منذ فجر التاريخ، كانت سيناء جسرًا يربط الشرق بالغرب، شاهدة على قوافل التجارة وجيوش الفاتحين، وعلى لحظات الانتصار والانكسار. لم تكن مجرد صحراء صامتة، بل كانت ميدانًا يزأر بالمعارك، وصدرًا احتضن الأنبياء والقديسين، وأرضًا حملت وجوهًا لا تُنسى من المقاومين والمجاهدين.
سيناء ليست مجرد منطقة حدودية، بل هي بوابة مصر الشرقية التي لطالما دافعت عنها عبر العصور. فمن الحروب الفرعونية التي تصدت لغزوات الهكسوس، إلى حملات الفرس والإغريق والرومان، ومن جيوش صلاح الدين التي سارت عبر رمالها لمواجهة الصليبيين، إلى معارك المصريين الحديثة في مواجهة الاحتلالين البريطاني والإسرائيلي.
ولكن تظل حرب أكتوبر 1973 الحدث الأبرز الذي سطَّر في وجدان الأمة أعظم معاني التضحية والفداء. فهنا، على هذه الأرض، عبر الجنود قناة السويس، ورفعوا العلم على رمالها الذهبية، معلنين أن سيناء ستظل مصرية رغم أنف الغزاة.
ليست سيناء فقط أرضًا للمعارك، بل هي موطن لقبائل عربية أصيلة، حافظت على تراثها رغم تغيرات الزمن. لكل قبيلة حكاياتها، ولكل عشيرة أهازيجها، ولكل شيخ حكمته التي تتناقلها الأجيال. العادات البدوية، من الكرم والشهامة إلى الاحتكام لقوانين العُرف والعادات، جعلت من سيناء عالمًا ثقافيًا متفردًا يستحق أن يُروى.
ولكن للأسف، لم تنل هذه الثقافة حقها في الدراما بالشكل الكافي، رغم أنها مليئة بالقصص الآسرة التي يمكنها أن تُدهش المشاهدين.
تحمل سيناء قداسة خاصة، ففيها جبل الطور الذي تجلى عليه الله لموسى عليه السلام، ومنها سار النبي موسى هاربًا من فرعون، وحمل معه رسالة الحرية لشعبه. كما تحتضن دير سانت كاترين، أحد أقدم الأديرة في العالم، وشاهدًا على تعايش الأديان منذ قرون.
هذه الخلفية الروحية المذهلة يمكن أن تكون مصدرًا لقصص درامية مدهشة، لكنها لم تُستغل بعد بالشكل اللائق في التلفزيون المصري.
رغم هذه الأبعاد التاريخية والثقافية العظيمة، لم تحظَ سيناء بالتمثيل الدرامي الكافي في التلفزيون المصري. فمعظم الأعمال التي تناولتها جاءت متفرقة أو محصورة في إطار نضال المخابرات المصرية ضد العدو.
من أبرز الأعمال التي قدمت سيناء كخلفية للبطولات الوطنية، مسلسل “رأفت الهجان”، الذي سلط الضوء على العمليات الاستخباراتية التي كان جزء منها يتم داخل سيناء. كذلك مسلسل “حرب الجواسيس”، الذي تناول الصراع الخفي بين المخابرات المصرية والإسرائيلية. هذه الأعمال قدمت لمحات من دور سيناء في الصراع، لكنها لم تغُص بعمق في تفاصيل الحياة اليومية لأهلها، أو معاناتهم خلال فترات الاحتلال والحروب.
مسلسل “وادي فيران” حاول أن يقدم لمحة عن حياة البدو في سيناء، لكن المحاولات الدرامية لتوثيق التراث البدوي ظلت محدودة. القبائل البدوية في سيناء لها تقاليدها وأعرافها، ولها قصصها المليئة بالدراما الحقيقية، سواء في الحب أو الحروب القبلية أو الصراع من أجل البقاء في بيئة قاسية. هذه القصص تصلح أن تتحول إلى أعمال درامية ملحمية، لكن لم نجد اهتمامًا كافيًا بإبراز هذا الجانب في الإنتاج التلفزيوني.
رغم أهمية حرب أكتوبر، لم تُقدم الدراما المصرية عملًا تليفزيونيًا ضخمًا يليق بحجم الحدث. بينما نجح فيلم “الممر” في إعادة تسليط الضوء على روح العسكرية المصرية، لا تزال الدراما التلفزيونية بحاجة إلى عمل ملحمي يعكس تفاصيل المعركة ودور أبناء سيناء في دعم القوات المسلحة أثناء الحرب وبعدها.
رغم المحاولات الدرامية، لا تزال هناك مساحات شاسعة من سيناء لم تُكتشف دراميًا بعد. هناك العديد من الأفكار التي يمكن أن تساهم في تقديم سيناء بشكل أعمق وأكثر إنصافًا، ومنها: عمل درامي يروي تفاصيل حياة البدو، عاداتهم، صراعاتهم، ورحلتهم للحفاظ على هويتهم وسط العولمة. كما يمكن تقديم مسلسل يروي حكايات المقاومة الشعبية داخل سيناء خلال فترة الاحتلال من 1967 إلى 1973. كذلك، هناك فرصة لإنتاج عمل درامي ملحمي يركز على تفاصيل الحرب من وجهة نظر الجنود والمقاومين داخل سيناء، أو مسلسل يستعرض الجانب الديني والروحي لسيناء، عبر قصص موسى والنبي شعيب وغيرهم. إضافة إلى ذلك، يمكن تناول قضايا التنمية في سيناء بعد التحرير، والصعوبات التي تواجه سكانها في ظل التطورات الاقتصادية والأمنية.
الدراما المصرية، رغم محاولاتها، كثيرًا ما تقع في فخ المبالغة أو التسطيح عند تناول سيناء، فإما أن تُحصر قصصها في بطولات الجيش فقط، دون التعمق في تضحيات الأهالي، أو تُقدم بشكل بعيد عن الواقع، بتصوير البدو مثلًا بطريقة نمطية لا تعكس حقيقتهم. حتى اللهجة البدوية في المسلسلات غالبًا ما تكون سطحية ومشوهة.
إذا أرادت الدراما تقديم سيناء بشكل حقيقي، فعليها الاستعانة بمؤرخين ومتخصصين في التراث البدوي، وكتّاب عاشوا تفاصيل المكان، بدلًا من مجرد تصور المدينة من مكاتب الكتابة في القاهرة.
ستظل سيناء أكثر من مجرد موقع على الخريطة، فهي أرض تفيض بالحكايات التي لم تُحكَ بعد. وإذا أرادت الدراما التلفزيونية أن تنصف سيناء، فعليها أن تخرج من إطار القصص النمطية، وأن تبحر في عمق تاريخها وثقافتها. فقط حينها، ستشعر الأجيال القادمة أن هذه الأرض ليست مجرد صحراء بعيدة، بل قطعة من الروح المصرية، يجب أن تُروى حكاياتها للأبد.
لم تكن سيناء يومًا مجرد أرضٍ للصراع العسكري، بل كانت أيضًا ميدانًا لمعركة من نوع آخر، معركة الهوية والذاكرة. فبينما كانت البندقية تدافع عن الأرض، كان الفن يحمل الراية، موثقًا البطولات، ناقلًا الحكايات، ومحافظًا على الروح الوطنية.
ومع كل محاولة لطمس ملامحها الثقافية، كان المسرح والأدب ينبعثان من جديد، كتجسيد حي لصمود أهلها. في هذا السياق، لم يكن المسرح السيناوي مجرد وسيلة للترفيه، بل كان صرخة في وجه النسيان، وأداة نضال قاومت الاحتلال قديمًا، ثم الإرهاب حديثًا. فمنذ الستينيات وحتى اليوم، ظل المسرح والرواية في سيناء شاهدين على تاريخها المليء بالتضحيات، وسلاحين لا يقلان أهمية عن السلاح الذي حمله أبطال المقاومة.
في ستينيات القرن الماضي، ومع صعود المد الثوري في مصر، بدأ المسرح يأخذ دوره كوسيلة لنقل قصص المقاومة، لكنه ظل محصورًا في العاصمة. إلا أن احتلال سيناء عام 1967 غيّر كل شيء، حيث أصبح الفن سلاحًا والمسرح أداة للرفض، حتى وإن كان الاحتلال لا يسمح بوجوده.
بعد نصر أكتوبر 1973 وعودة العريش عام 1979، استعادت سيناء أنفاسها الثقافية، وأصبح المسرح أداة لإحياء بطولات الفدائيين. بزغ نجم مجدي الشريف، الذي قدّم عروضًا مسرحية وثّقت المقاومة السيناوية، مثل: “الشهيد صانع العودة”، “دماء على غصن زيتون”، و”حكاية بنت اسمها روضة”، التي استلهمت من مجزرة الروضة (2017)، لتحول الفاجعة إلى قصة تحدٍّ في مواجهة الإرهاب.
لكن مع تصاعد العمليات الإرهابية بعد عام 2011، تراجعت الحركة المسرحية في شمال سيناء، وأُغلقت المسارح، وخيّم الخوف على الأجواء. غير أن الفن لم يستسلم، فعاد المسرح ليحمل رسالته مجددًا، خاصة مع افتتاح قصر ثقافة العريش عام 2020، حيث قُدّمت عروض مسرحية أعادت الحياة إلى الخشبة من جديد، مثل عرض “عرس كليب” الذي جمع بين التراث والسرد التاريخي، و”حكايات الأبطال” الذي وثّق بطولات الشهيد أحمد المنسي ورفاقه.
وإلى جانب المسرح، كانت الرواية السيناوية تؤدي دورها في توثيق الذاكرة والبطولات، إذ حمل الأدب على عاتقه مهمة الحفاظ على هوية المكان والتعبير عن آلامه وآماله. برز من بين الكتاب الكاتب سامي سعد، الذي قدّم روايات مثل “السراديب” و”تلة الذئب”، مستلهمًا من تاريخ المقاومة والتحدي. كما تألق الأديب عبدالله السلايمة، الذي كتب أعمالًا مثل “بركان الصمت”، و”شمال شرق”، و”سنقرئك فلا تنسى”، مقدّمًا سيناء بصورة بعيدة عن النمطية، غنية بالتفاصيل الإنسانية والوطنية.
وهكذا، يظل الفن في سيناء أكثر من مجرد وسيلة ترفيه، بل هو شريك في النضال، ومرآة لهوية لا تقبل الطمس أو التجاهل. وبينما يحمل المقاتل السلاح دفاعًا عن الأرض، يحمل الفنان الكلمة والصورة والمشهد، ليحكي قصة لا تموت.
اليوم، وبعد سنواتٍ من الظلام، يعود المسرح والرواية في سيناء ليحكيا قصة أرضٍ لم تعرف يومًا الاستسلام. هناك أبطال لم تُحكَ قصصهم بعد، وهناك حكايات تنتظر من يرويها، ولكن طالما بقي هناك كاتب يُمسك بقلمه، وممثلٌ يقف على الخشبة، ومخرجٌ يُضيء المسرح، فإن سيناء ستظل صامدة، بالفن كما بالسلاح.
في النهاية، المسرح ليس مجرد خشبة، والرواية ليست مجرد كلمات، والفن في سيناء لم يكن يومًا للترفيه فقط، بل كان دائمًا شاهدًا على الحقيقة، صوتًا لا يموت، ورسالة تقول لكل من يحاول طمس هذه الأرض: سيناء باقية… والمسرح باقٍ… والمقاومة مستمرة.

عطور Noses
نحن الأقدم دون منازع فى مجال العطور المصنوعة فى مصر بجودة عالمية وأسعار خارج المنافسة
العطر فى أنقى صورة وأفضل أداء وفوحان وخامات آمنة تماما على البشرة
يمكنكم معرفة جديدنا الذى لا يتوقف عبلر موقع الويب الخاص بنا وعبر صفحتنا على فيسبوك وانستجرام





