د.محمد مصطفى الخياط يكتب: إشبيلية … برتقالة تحت الطاولة

المدن كالأشخاص، لكل منها بصمة فريدة لا تتكرر، قد تتشابه مع مدن أخرى فى بعض تفاصيلها وإن ظل لكل منها سَمْتَهَا الخاص، النظر من شباك الطائرة للمدن يحيل الجغرافيا إلى خطوط دقيقة على بنان إبهام الأرض، تتشكل البصمة بفعل المناخ والثقافة والمعتقدات والتعليم وكذلك بفعل الأساطير والخرافات وعوامل أخرى مباشرة وغير مباشرة، ينصهر الجميع فى آتون واحد ثم تُطبع البصمة وتظل دون تغيير حتى وإن تغير الزمان، قارن المدن الشرقية ببعضها، سمات واحدة ونكهات مختلفة؛ تختلف شوارع القاهرة عن مثيلتها فى دمشق والرباط والرياض، كذلك المدن الغربية ونمط بنائها حول ميدان كبير تقع على محيطه كاتدرائية يقابلها مبنى البلدية، المحافظة، لكن بروكسل غير باريس غير مدريد، ومدريد غير الأندلس.

احتفظت مدن الحضارة العربية فى إسبانيا بطُرِزِها الفريدة، ملك العرب أوربا حين اتحدوا وذهب كل شيء مع الريح حال اختلفوا، لا يُبقى الشقاق على أثر، تفتتت الدولة الأموية بعد نحو ثلاثة قرون من تأسيسها على يد عبد الرحمن الداخل وبدأ عهد الطوائف فالمرابطين فالموحدين وما كانت كل منها سوى فصل من فصول التشتت والتشظي. بنى العرب إشبيلية بمبدأ (على قدر أهل العزم تأتى العزائمُ)، شيدوا المباني والشوارع والميادين بعمارة سبقت زمانها، فأبهرت وتُبهر؛ أسس أبو يوسف المنصور بالله المسجد الأكبر بمئذنته المعروفة باسم “الخيرالدا” بقاعدة مربعة يتمدد من مدخلها إلى قمتها مسار حلزوني من دون سلالم تسمح انسيابيته للمؤذن بالصعود إلى منصة الأذان الواقعة على ارتفاع يناهز المائة متر ممتطيًا دابته، بعد سقوط الأندلس تحول المسجد إلى كاتدرائية والمئذنة إلى برج أجراس.

يهطل المطر فيغسل الأرصفة والطرقات وأشجار اللارنج والبرتقال التى لا يخلو منها شارع، تداعب الريح الباردة أغصانها فيهب شذى زهورها ممزوجًا برائحة حبات المطر، ربما تضل بعض الحبات طريقها إلى نهر الطريق فتدهسها السيارات بلا رحمة، سألت مرافقي الإشبيلي (من يرعى كل هذه الأشجار، ولحساب من؟)، أجاب (إنها البلدية، يعتنون بها ويصنعون من ثمارها أفخر أنواع المربى حيث يُصدر معظمها إلى إنجلترا)، ثم أردف (زرع العرب أشجار المدينة القديمة وعندما تمددت الأحياء سار المخططون على نفس النهج).

طلبًا للراحة جلسنا على أحد المقاهي المطلة على المسجد الأكبر تؤنسنا زقزقة العصافير على الأشجار القريبة وتنعشنا رائحة البرتقال، وبينما أقلب صفحات الذاكرة وأرشف من حين لآخر رشفات دافئة من كوب الشاي المعتق بنكهة اليوسفي سقطت برتقالة على بلاط الرصيف المضلع، تدحرجت حتى استقرت تحت الطاولة، نظرت نحوها مبتسمًا فعقب مرافقي (لا تقلق سوف يأتي من يجمعها هى وغيرها).

اليوم لا تجد حبات البرتقال من يجمعها، ضرب فيروس كورونا إسبانيا كما ضرب غيرها من المدن الأوربية، بدأ الأمر بسيطًا إلى ان اتسع الرتق على الراتق، المصابين بعشرات الألوف والبنية الصحية للمستشفيات تعجز عن استقبالهم، قال لى صديق مصري يحمل جنسية أجنبية ويقيم بالخارج منذ أكثر من ثلاثين عامًا (لا يوجد سرير شاغر فى مستشفى، اكتظت الطرقات بالمصابين، لم يعد بالإمكان استيعاب المزيد إلا فى الشوارع)، ثم أردف ساخطًا (كشف لنا الفيروس أوهام الرعاية الصحية التى تغنت بها الأحزاب والحكومات المنتخبة)، وبين الوهم والحقيقة يواصل الفيروس اقتناص ضحاياه وكشف المزيد من الحقائق، ووحدها تنتظر البرتقالة القابعة اليوم تحت الطاولة من يجمعها، ولا يعلم سوى الله عز وجل إلى متى سوف تنتظر. حفظ الله الوطن.

“نقلا عن الأهرام المسائي”

عطور  Noses

نحن الأقدم دون منازع فى مجال العطور المصنوعة فى مصر بجودة عالمية وأسعار خارج المنافسة

العطر فى أنقى صورة وأفضل أداء وفوحان وخامات آمنة تماما على البشرة 

يمكنكم معرفة جديدنا الذى لا يتوقف عبلر موقع الويب الخاص بنا وعبر صفحتنا على فيسبوك وانستجرام

 

موضوعات ذات صلة

حسن غريب يكتب: هل كُلّه عند العرب صابون؟

ما زال المثل الشعبي الشهير «كله عند العرب صابون» يتردّد على ألسنة الناس في مواقف الحياة اليومية، فيُقال حين يخلط البعض بين المختلفات، أو حين يفقد التمييز بين الجيد والرديء. ورغم طرافته، فإن هذا المثل العفوي يحمل في أعماقه رؤية نقدية لاذعة لواقعٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ مأزوم، يعاني من ضياع المعايير وغياب الدقة في الحكم على الأشياء والأشخاص. أصل المثل ودلالته نشأ المثل في زمنٍ كان فيه الصابون من رموز الرفاه والنظافة، إلا أنّ العرب لم يعرفوا أنواعًا متعددة منه، فكان كلّ ما يُستخدم للتنظيف يُسمّى “صابونًا”، بغضّ النظر عن جودته أو مكوّناته. ومن هنا قيل تهكمًا: «كله عند العرب صابون» أي إنّهم لا يُفرّقون بين الشيء النفيس والعادي، ولا بين الغثّ والسمين، فيصبح كل شيء عندهم متشابهًا بلا تمييز. المعنى الرمزي حين نقرأ المثل في ضوء واقعنا المعاصر، نجده يعكس خلطًا خطيرًا في القيم والمفاهيم. فقد اختفى المعيار الحقيقي، وصار الناس يساوون بين: المثقف الحقيقي ومن يكرر عبارات محفوظة، الشاعر المبدع ومن يملأ الفضاء بكلماتٍ خاوية، الفنان الأصيل ومن يتاجر بالابتذال. لقد غابت الفرزات الجمالية والفكرية، فصار الرديء يزاحم الجميل، والمزوّر ينافس الأصيل، وكأنّ المثل القديم ما زال يُحكم المشهد: كله صابون! دلالة اجتماعية وفكرية: يكشف هذا المثل عن أزمة وعي مجتمعي حين تختلط الأمور، ويُمحى الفرق بين المخلص والمدّعي. إنها نتيجة طبيعية لتراجع التعليم، وضعف الثقافة، وتغليب المظاهر على الجوهر. فتُصبح الشهرة بديلًا عن القيمة، والضجيج غطاءً على الفراغ، والعنوان أهمّ من المضمون. وهنا تتكرّس ثقافة المساواة السلبية التي تُلغِي الفوارق، وتُطفئ وهج الإبداع، وتقتل روح التميّز في المجتمع. إسقاط ثقافي: في المشهد الثقافي العربي اليوم، تتجلّى روح هذا المثل بصورة مؤلمة. نرى نصوصًا سطحية تُقدَّم كأدب، وأغانٍ خفيفة تُرفع إلى مقام الفن، ومؤثرين بلا علم يُنصَّبون قادة رأي. وفي ظلّ هذا التشويش، تتراجع القيم الجمالية والمعرفية لحساب الشهرة المؤقتة والانتشار الرقمي، حتى غدت الثقافة ساحةً مفتوحة لكل من يملك منصةً لا فكرة. وهكذا يُعاد إنتاج المثل، لكن بوجهٍ حديث: «كله عند العرب صابون… حتى الثقافة!» نحو وعي جديد: الخروج من هذه الدائرة يبدأ بإحياء الوعي النقدي. فلا نهضة بلا تمييز بين الجميل والقبيح، ولا رُقيّ بلا احترام للفكر والإبداع الحقيقي. علينا أن نعيد المعايير إلى مكانها: نُكرِّم من يُتقن، لا من يتصدر. نُقدِّر من يُبدع، لا من يُقلِّد. نحتفي بالجوهر، لا بالمظهر. فالأمم الراقية لا تقول “كله صابون”، بل تسأل: ما نوعه؟ ما قيمته؟ من صنعه؟ وقبل النهاية : يبقى المثل الشعبي «كله عند العرب صابون» أكثر من جملة عابرة؛ إنه مرآة نقدية لواقعٍ يتطلّب مراجعة فكرية وثقافية شاملة. فالمجتمعات لا تتقدّم بالتشابه، بل بالاختلاف الخلّاق، ولا تُبنى على التعميم، بل على التمييز والوعي. فلنغسل عقولنا لا بالصابون، بل….

Read more

Continue reading
حسن غريب يكتب: العلاقات المتفاوتة والوساطات في المشهد الثقافي: بين تغييب الإبداع وهيمنة العلاقات

تُعدّ الساحة الثقافية المصرية خاصة والعربية عامة مرآةً تعكس واقعًا اجتماعيًا متشابكًا، تسوده في كثير من الأحيان العلاقات الشخصية والوساطات والمحسوبيات، التي باتت تتحكم في فرص المشاركة بالمؤتمرات والندوات، وعمليات النشر والطباعة في المجلات والصحف ودور النشر. هذه الظاهرة لا تمثل فقط خللًا في العدالة الثقافية، بل تكشف عن أزمة بنيوية في منظومة القيم والمعايير التي يُفترض أن تقوم عليها الحركة الإبداعية. أولاً: اختلال معيار الكفاءة لصالح العلاقات من المفترض أن تقوم المشاركة في الفعاليات الثقافية على أسس الجدارة الفكرية والكفاءة الإبداعية، إلا أن الواقع يكشف عن تغليبٍ واضح للاعتبارات الشخصية والعلاقات المتبادلة. فكثير من الدعوات إلى الندوات والمؤتمرات لا تُوجَّه بناءً على قيمة المنتج الأدبي أو الفكري، بل وفقًا لمبدأ “من يعرف من”، مما أدى إلى تكوين نخبٍ مغلقة تحتكر المنابر والفرص. وبذلك تكرّست حالة من الطبقية الثقافية التي تتيح لبعض الأسماء التكرار الدائم في المحافل، بينما يُقصى المبدع المستقل الذي لا يملك سوى موهبته. ثانيًا: استغلال الوظائف الثقافية وغياب النزاهة المؤسسية من أبرز مظاهر الخلل أيضًا استغلال بعض العاملين بالمؤسسات الثقافية الرسمية أو شبه الرسمية لمناصبهم، لتحقيق مكاسب شخصية على حساب العدالة المهنية. فقد أصبح مألوفًا أن نجد موظفًا في إحدى هذه المؤسسات يطبع عشرات الكتب باسمه على نفقة المؤسسة، أو يحصل على فرص السفر والمشاركة في المؤتمرات داخل وخارج البلاد دون وجه حق، في حين يُحرم منها المبدع الأجدر والأكثر استحقاقًا. هذه الممارسات لا تُهدر فقط المال العام، بل تُفرغ المؤسسات الثقافية من دورها التنويري، وتحوّلها إلى منصات مغلقة تدور في فلك المصالح الشخصية، مما يقتل روح المنافسة الشريفة ويضعف الحراك الثقافي العام. ثالثًا: انعكاسات الواسطة على جودة المحتوى الثقافي حين تتحول الواسطة إلى بوابة العبور، تُصاب الثقافة بترهّلٍ نوعي. فبدلًا من أن تكون المؤتمرات فضاءً لتبادل الأفكار، تصبح مناسبات شكلية للتكريم المتبادل، ويُحتفى بالأسماء المكرّسة لا بالنصوص المتميزة. تلك الممارسات تُسهم في تراجع مستوى المنتج الثقافي، وتُفقد المؤسسات مصداقيتها بوصفها حاضنةً للإبداع. كما تؤدي إلى فقدان الثقة لدى الجمهور في الجوائز والمناشط الثقافية، إذ يصبح الانطباع السائد أن “الفرص لا تُمنح للأفضل، بل للأقرب”. رابعًا: المبدع الحقيقي بين التهميش والصمود أما المبدع الحقيقي الذي لا يملك واسطة أو سندًا مؤسسيًا، فيعيش معركته الخاصة مع التجاهل والإقصاء. هو الذي يعمل بصمت، ويكتب بإخلاص، لكنه يجد الأبواب مغلقة لأن معيار الاختيار لا يقوم على الإبداع بل على العلاقات. ومع ذلك، يبقى هذا المبدع هو الضمير الصامت للمشهد الثقافي، لأنه يكتب للحياة لا للمنفعة، وللصدق لا للمجد الزائف. وقد أثبت التاريخ أن المبدعين الذين حوربوا أو همِّشوا في حياتهم، هم أنفسهم الذين خلدتهم الذاكرة الثقافية، بينما ذهبت أسماء “الواسطة” إلى النسيان. خامسًا: نحو منظومة ثقافية عادلة إن إصلاح هذا الواقع….

Read more

Continue reading

للقطط نصيب معلوم أحدث رواية تكشف مفهوم العدالة

للقطط نصيب معلوم أحدث رواية تكشف مفهوم العدالة

حسن غريب يكتب: هل كُلّه عند العرب صابون؟

حسن غريب يكتب: هل كُلّه عند العرب صابون؟

هبوط كبير للذهب مع افتتاح البورصات العالمية

هبوط كبير للذهب مع افتتاح البورصات العالمية

المخرج هشام عطوة رئيسا لقطاع المسرح خلفا لخالد جلال

المخرج هشام عطوة رئيسا لقطاع المسرح خلفا لخالد جلال

حسن غريب يكتب: العلاقات المتفاوتة والوساطات في المشهد الثقافي: بين تغييب الإبداع وهيمنة العلاقات

حسن غريب يكتب: العلاقات المتفاوتة والوساطات في المشهد الثقافي: بين تغييب الإبداع وهيمنة العلاقات

قصور الثقافة تواصل فعاليات برنامج المواطنة بقرية منشية الحواصلية بالمنيا