الشعر المعاصر وآليات التلقي “دراسة” للدكتور محمود الضبع
تطرح الشعرية العربية المعاصرة تساؤلاتها، واتجاهاتها التجريبية، وتؤسس لوعيها غير منشغلة بالقطيعة مع الماضي، أو الانفصال عن الحاضر، وإنما بالشعر ذاته، وإن كان التلقي عاملا حاسما في تحديد ملامح هذه الشعرية، فالجمالي مثلا لم يعد يحتكم إلى قوانين وأسس سابقة على الشعراء أن يحاكوها، كما كان مع الشعرية الكلاسيكية، وإنما غدا الجمالي نتاجا مشتركا بين المبدع والمتلقي، والأبنية اللغوية في تعالقها، وإنتاج الصورة، والإيقاع النغمي، والموضوع الشعري، وغيرها من العناصر التي تشكل الشعرية المعاصرة، والتي لايمكن بحال دراستها بعيدا عن التلقي والذوق الجمالي العام. ومن ثم فليس الشكل هو ما يجب أن نقف أمامه؟ ولكنها القصيدة، عمودية كانت أم تفعيلية أم منتمية إلى شكل قصيدة النثر، أو ما يمكن أن يطرحه مستقبل الإبداع الشعري العربي من تجريب وتطور في أشكال الشعر التي لانملك الحكم عليها بالتوقف عند حدود ما نعرف. من هنا تأتي هذه الدراسة مهمومة بشعرية الشعر، وأبنية القصيدة، وتحولات الشعرية العربية المعاصرة مهما اختلفت أشكالها التي تقدم من خلالها. فما الذي تبقى من الشعر لنحكم عليه بالشعرية عبر هذه القرون الطويلة، لقد طرح الشعر في تحولاته أشكالا عدة وبقي شعرا، طرح القافية الموحدة واعتمد على القوافي المتعددة في شكل الموشحات ثم الشعر المرسل – على سبيل المثال – وبقي شعرا، ومزج بين أبحر شعرية من دوائر عروضية من المفترض تبعا لقوانين الخليل ألا تمتزج، وبقي شعرا، وهشم في بنية التفاعيل، وبقي شعرا، وتحول إلى قصيدة النثر وبقي شعرا. إن هذه التحولات تعني من أقرب الطرق أن الشكل (1) ليس هو المحك والمعيار، وإنما الشعر يتقوم بغير الشكل، وسؤالنا حول الشعرية المعاصرة التي تتجاور فيها الأشكال على نحو يسمح لها بأن تكشف عن ذاتها، وليس من الوعي الثقافي محاولة رفض أحدها على حساب الآخر، وإنما الأجدى هو البحث في آلياتها وتشكلاتها من الداخل، أي استقراء المنجز الشعري العربي استقراء كليا وفي سياق متصل وليس في حلقات منفصلة منتمية إلى مراحل تعسفية لتسوير أشكال الشعر والفصل بينها، وهو ما بدأته الثقافة العربية تراثيا في دراستها للنص من حيث هو نص، واستيلاد النقد من رحم النصوص، واستشراف تحولات النص مما تخبئه النصوص على المتلقي العادي، وهنا يكون النقد مجازفة لقراءة النصوص سياقيا وتساوقيا واستبطانها لصالح الشعرية العربية. وعبر التجريب على مئات من النصوص والقصائد التي تنتمي إلى عصور تاريخية متنوعة، وأشكال شعرية مرت بها القصيدة العربية في تحولاتها، يمكن رصد الملامح الفارقة التي تمثل ماهية الشعر وتخرج ما ليس شعرا من هذا السياق، وهي ملامح تصدق على كل أشكال الشعر العمودي منها والتفعيلي والنثري، وتتمثل في : بناء العلاقات اللغوية على نحو يخرج بها من سياق الإخبار إلى سياق الشعرية، وهو ما يقتضي الاعتماد على المجاز بوصفه البنية الكبرى في المنجز الثقافي….
Read more




